- كثير من النقاشات تتميز بروح فرض الرأي على عقول الآخرين ونفي رأي الآخرين أو ربما تسخيفه فتتحول هذه النقاشات إلى معركة غالبا ما تنتهي بتمترس كل طرف في رأيه، بعد أن يكون قد بنى خلال مثل هذا النقاس أسوارا حول دوائره الفكرية، ونصب مدافع تردع وتصد الأفكار الخارجية.
حين يلتقي اثنان أو أكثر يبادر المشاركون إلى تبادل الحديث حول موضوع معين. ما الذي يدفعهم إلى مثل هذا التواصل وكيف يمكن له أن يكون مجديا؟
جاء تطور اللغة كعامل هام في تطور المجتمعات حيث تطلّب مثل هذا التطور تبادل المعلومات والخبرة بين الناس، والتفاهم حول قواعد التعامل والتعاقد، ووضع أسس وقوانين الحياة المشتركة في المجتمع. من خلال مشاهدة النقاش الذي يدور بين الناس اليوم في أوضاع اجتماعية مختلفة يمكن أن نلاحظ أنماط تواصل لا تؤدي الوظيفة المرجوة من النقاش بل هي إما نمط مسايرة لا يفصح فيها كل طرف عن كل ما يجول بخاطره تحاشيا لاحتداد النقاش، أو نمط احتداد المعركة بين طرفين أو أكثر، يقوم فيها كل طرف بنفي أفكار ورأي ومعلومات الآخرين محاولا فرض أفكاره هو على عقولهم. هكذا يجري الأمر بين أفراد الأسرة وبين الناس وخاصة في النقاشات السياسية.
يعرض كتاب "ماكنة الميمات" The Meme Machine لمؤلفته سوزان بلاكمور (مترجم للعبرية מכונת הממים)، نظرية حديثة نسبيا عن حاجتنا للنقاش. النظرية تدّعي أن للأفكار [Memes] التي تجول في أذهاننا قوة تدفعها نحو الانتشار لتصل أكبر عدد ممكن من العقول، بالضبط كما أن للجينات قوة تدفعها للانتقال عبر عملية تلاقح وتزاوج لتحافظ على نفسها في اتجاه عمودي عبر انتقالها من جيل إلى جيل، تنتشر الأفكار بشكل أفقي بين الناس لتصل إلى أكبر عدد من عقول البشر وتقبع هناك. هذه النظرية المشتقة من نظرية النشوء والارتقاء الداروينية تدّعي أننا نحن البشر مجرد أدوات أو أوعية في خدمة الجينات وفي خدمة الأفكار التي تلح علينا للانتشار (إقرأ كتاب رتشارد دوكينز The selfish gene أيضا مترجم للعبرية הגן האנוכי). بناء على هذه النظرية يمكن فهم الصراعات الأيديولوجية والدينية والمذهبية التي خاضتها شعوب الأرض عبر آلاف السنين والتي راح ضحيتها أعداد لا تحصى من البشر. وبناء عليها يمكن أن نفهم حماس الناس في النقاشات السياسية والاجتماعية، وكأن كل متحدث يحمل معه رسالة عليه بذل كل ما بوسعه لنقل أفكاره ومواقفه إلى عقول الآخرين. بناء على هذه النظرية يمكن أن نفهم كم يبذل الإنسان من جهد من أجل إبقاء ذكراه لدى الناس بعد وفاته، ونفهم كيف يعرّض شخص نفسه للخطر في حرب أو بعملية انتحارية من أجل انتصار فكرة أو أيديولوجيا مما يؤكد أهمية بقاء الفكرة على بقاء الجسد أحيانا.
نظرية الميمات تدعي بأن حاجتنا لنشر أفكارنا حاجة غريزية ولا شك أنها تفسر الكثير من أشكال تواصل الناس فيما بينهم ولكنها لا تبقي مكانا لدور الشخصية الفردية والإرادة في هذا التواصل. حتى لو قبلنا أننا نقع تحت تأثير دافع غريزي لنقل أفكارنا، فهذا لا يجعلنا خاضعين سلبيين لهذه الغريزة ولا يجعل هذه الغريزة تفسر كل شيء. حتى مع الغرائز البيولوجية يبقى للإرادة دور هام. فلنأخذ حاجتنا الغريزية للغذاء والنوم والجنس فنجد أن الناس يختلفون فيما بينهم في التعامل مع هذه الحاجات الغريزية فمنهم من يفرط في الاستجابة لها أو الاعتدال فيها أو التعفف عنها جزئيا أو تماما. إذًا لا يمكن تفسير السلوك الإنساني فقط بناء على الغريزة بل إن الغريزة هي معطى خاضع للإرادة وكل يستطيع التعامل معها بطريقته وفق ما يرتأيه.
بالفعل، إن مشاهدة النقاشات الدائرة بين الناس تبين فوارق فردية عديدة. بعض الناس يتكلم لتكون كلمته هي الفصل وإن لم ينجح يحتد ويرغي ويزبد، والبعض الآخر يقول كلمته ويمشي، والبعض لا يقول كلمته ربما خوفا أو عجزا أو لا مبالاة. إذًا لا بد من الانتباه إلى عامل الشخصية والمبنى النفسي الذي يجعل كل فرد يستعمل معطياته الجينية والغريزية بشكل مختلف عن الآخر، وهذا بالمناسبة ينطبق على جميع الأسئلة التي تتعلق بالوراثة والشخصية والبيئة الاجتماعية. الوراثة تعطي جاهزية ما لصفة ما كالذكاء أو مرض القلب أو الخوف وتترك للشخصية والمباني النفسية أن "تقرر" كيف تستخدم هذه الجاهزية. لذلك هناك كثير من ذوي الأدمغة العبقرية لم يستخدموا هذه العبقرية أو أنهم استعملوها بشكل هدام، وكثيرون من ذوي الجاهزية الوراثية لمرض القلب حافظوا على صحة جيدة بفضل محافظتهم على غذاء صحي ونشاط رياضي وشخصية هادئة.
إذًا حتى لو كانت في عقولنا أفكار تلح علينا بشكل غريزي لتنتشر إلى عقول الآخرين فهذا لا يعني أنه علينا أن نخضع لها ونتحول إلى "ماكنة ميمات" تقوم بشكل أعمى بنقل الأفكار عنوة، بل نستطيع أن نقرر كيف نستخدم هذا الإلحاح بما يخدم أهدافنا ومصالحنا الفردية والجماعية.
- ثلاثة أنماط نقاش
إذا كان هدفنا إثراء أنفسنا وجعل النقاش قاعدة تنمو عليها وفيها أفكارنا أفرادا وجماعات فلا بد من الانتباه إلى ثلاثة أنماط نقاش:
1) ادلُ بدلوك في النقاش:
إحدى مخلفات التربية السلطوية التي اعتدنا عليها خلال تنشئتنا هي اعتبار قول الرأي المخالف للآخر نوعًا من الوقاحة أو قلة الأدب. علما بأن الحقيقة لا تكمن في عقول البعض دون الآخرين، وعلما بأنه في القضايا الشخصية والاجتماعية يوجد أكثر من "صح" واحد، وعلما بأن تبادل الرأي في جو من القبول والاحترام يشكل قاعدة لتطور الفكر الشخصي والجماعي، فلا بد لنا أن نتحاشى إبقاء آرائنا وأفكارنا حبيسة جماجمنا، وأن نحررها ونعرضها على الآخرين لأنها لا تقل أهمية عما يعرضه الآخرون علينا. هكذا تتلاقح الأفكار وتتطور.
2) إعطاء مناطق الاتفاق حجمها:
كثير من النقاشات السائدة تتركز حول نقاط الخلاف وتتجاهل نقاط الاتفاق وكأن هذه الأخيرة ليست ذات أهمية. أزعم أن مساحات الاتفاق بين الناس شاسعة، خاصة بين المعارف والأصدقاء، وهي أكبر بكثير من مساحات الاختلاف وعليها يجب بناء العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبين الجماعات. دون تجاهل نقاط الخلاف، فإن الالتقاء مع الآخر في مساحات الاتفاق وإعطاء هذه المساحات حجمها النسبي، يمكن أن يجعل مناقشة نقاط الاختلاف أمرًا يسيرًا ومثريًا. مناقشة نقاط الاتفاق ليست بالأمر التافه بل إنها تثري كل طرف وتساعده على بلورة رأيه وتطوير أفكاره وبالتالي يتطور الفكر الشخصي والجماعي. حين تسمع رأي شخص ما في حديث عن أي موضوع يمكنك الانتباه إلى ما تتفق معه أو تختلف عنه فيه، وبعدها أن تقرر هل تخوض مناطق الخلاف أو تلتقي معه أولا في مناطق الاتفاق وبعدها تعالج مناطق الاختلاف. هذا القرار يحدد أي منحى سيأخذه النقاش وما هي النتائج المترتبة عليه. إدراك مساحات الاتفاق وبناء العلاقات عليها هو أمر هام خاصة في علاقات الأحزاب العربية التي يجمعها الكثير من المواقف والقضايا.
3) التعامل مع النقاش كجولة في حقول معرفة الآخر:
كثير من النقاشات تتميز بروح فرض الرأي على عقول الآخرين ونفي رأي الآخرين أو ربما تسخيفه فتتحول هذه النقاشات إلى معركة غالبا ما تنتهي بتمترس كل طرف في رأيه، بعد أن يكون قد بنى خلال مثل هذا النقاس أسوارا حول دوائره الفكرية، ونصب مدافع تردع وتصد الأفكار الخارجية. أحيانا يخرج المرء من مثل هذا النقاش ويعتريه شعور بالانتصار أو على الأقل بأنه لم يهزم في تلك المعركة أو أنه مهزوم وممتعض من عنف الطرف الآخر. ومع تكرار هذا النوع من النقاش بين الناس يصبح كل فرد أسيرا في داخل أسواره لا يرى فيها إلا نفسه وتتحول العلاقات بين الناس إلى علاقات عدائية بين طرفين متحجرين. ما جدوى مثل هذه النقاشات؟ هل هي تقرب القلوب أو تسهم في تطوير الفكر الذي يحمله كل منا أو الفكر الجماعي في مجتمعنا؟ تخيلوا لو أننا تعاملنا مع النقاش على أنه جولة استكشاف في دوائر وحقول الآخر الفكرية. وكأننا نزور بلدا جديدا فيه ما يعجبنا وما لا يعجبنا. ونعود من هذه الجولة كما نعود من رحلة إلى بلد غريب نحمل معنا ما تعلمناه من هناك وما يسهم في تطوير فكرنا وثقافتنا. حين نتعامل مع النقاش كجولة استكشافية عندها نسهم بتطوير فكرنا الشخصي والجماعي.
مجتمعنا أحوج ما يكون إلى ثقافة الحوار والنقاش وإلى قيم التعددية واحترام الآخر المختلف عنا. إنها شروط ضرورية لنمو مجتمعنا والنهوض بفكرنا وثقافتنا من هذا الركود القاتل.
