آثر بنيامين نتنياهو ان يبدأ حملته الانتخابية بمحاولة تصدير أزمته الداخلية من خلال اللعب بالنار، حيث قام طيرانه بعد ظهر يوم الاحد من هذا الاسبوع بضرب موقعين سوريين في ريف دمشق. ولسنا في حاجة الى ذكاء خارق حتى نربط بين الاعلان عن انتخابات مبكرة في 17.3.2014 وبين هذه الحماقة التي ارتكبها بزجّ انفه اكثر واكثر في الشأن السوري الداخلي. فقد كشف الامين العام للامم المتحدة، من خلال تقارير مراقبيه الدوليين من قوات "اندوف" في الجولان، مدى تورط اسرائيل مع العناصر المسلحة الخائنة لبلدها، سواء كانت جبهة النصرة او غيرها من التنظيمات التي تخدم مخطط اسرائيل وامريكا في تدمير الدولة السورية. وتأتي غارة الطيران الحربي الاسرائيلي بعد الضربات الموجعة والتقدم الملحوظ للجيش العربي السوري ضد داعش واخواتها، سواء كان في دير الزور او شمالي حلب، حيث الصمود الاسطوري لكل من نبل والزهراء وعين العرب، او الضربات التي لحقت بالجماعات الارهابية التكفيرية في درعا والقنيطرة او ريف دمشق. فربما اراد نتنياهو ان يرفع من معنويات هذه الجماعات، او انها رسالة الى امريكا حتى تقبل بالاقتراح التركي لاقامة منطقة عازلة يحظر فيها الطيران في شمال سوريا. وهي اضغاث أحلام عند العثمانيين الجدد، اكبر حلفاء اسرائيل في المنطقة. وربما اراد نتنياهو ان يخلط الاوراق، لكن من قال ان الطرف الآخر وبضمنه محور المقاومة لن يوجه رسائل وبنفس اللغة الى مغامري تل ابيب، ولكل من يقف وراءهم؟ واسرائيل تتحسب وتترقب نوعية الرد القادم، وهو آت لا محالة.
للحقيقة فان اسرائيل ابتليت بهذا السياسي الاحمق الذي يغامر بمستقبل شعبه، من اجل ان يضمن وجوده على سدة الحكم بعد الانتخابات القادمة. والمجتمع الاسرائيلي المسكون بالتخويف والتدجين مغلوب على امره، فلا هو قادر على التفكير السليم، ولا هو قادر على ان يأتي بقيادة بديلة. فالقيادات الحزبية السياسية في اسرائيل اصبحت عمياء البصيرة، نتيجة عنصريتها وعدم استعدادها لدفع مستحقات السلام. فهي تناور ولا تحاور، وتتهرب من الحقيقة، وتتجنب ان تصارح جماهيرها بحقائق الامور. وهذا يصب في مصلحة المغامر الاكبر نتنياهو. وهذه هي الازمة الحقيقية في اسرائيل، التي ارادوا تصديرها من خلال الزج بالانف اكثر في الشأن السوري الداخلي.
وعلى مستوى الجماهير العربية، فبعد رفع نسبة الحسم واستحالة نجاح الكتل البرلمانية العربية في عبور نسبة الحسم اذا خاضت هذه الانتخابات منفردة، رأيناها تتفاوض لتشكيل قائمة انتخابية واحدة او قائمتين، فصراع البقاء يحتِّم عليها ان تفعل ذلك. ومع انني لم أرَ في يوم من الايام في الكنيست الاسرائيلي مربط خيلنا، إلا انني لم اعارض ان يستغل البعض هذه المنصة لاسماع وجهة نظر معارضة للاجماع الصهيوني، مع علمي المسبق ان النضال الشعبي الجماهيري اكثر فاعلية من النضال البرلماني. ومع كل ذلك فلا بأس ان تمارس جماهيرنا مختلف النشاطات، وعلى كل الصعد. لكن لا اقبل ان يستغل النشاط البرلماني ليكون هدفا بحد ذاته، لا وسيلة من الوسائل. اقول هذا وانا ارى رأي العين هذا الانكفاء لدى الاحزاب العربية من العمل الجماهيري المجدي. واذا اضطروا ان يفعلوا شيئا في هذا الاطار فانه من باب اسقاط الواجب. ومن حقي ان اتساءل: اين هي الاحزاب التي تفتتح النوادي والفروع في القرى والبلدات العربية، لتقوم بالتربية والتوجيه الفكري؟! اين هي الشبيبة التي كانت ذات يوم القوة الضاربة للاحزاب والمستعدة لأي عمل نضالي؟!
للأسف هذه الاحزاب تحوّلت الى قوائم انتخابية تطفو على السطح عند اقتراب كل انتخابات جديدة للكنيست. وهو ما اضرّ بمصداقية هذه الاحزاب عند الشباب، الذين لا يتحمسون للانتخابات القادمة او لأي انتخابات اخرى. ويجب ان نعترف اننا في ازمة عميقة، وفي المقدمة منها نحن في ازمة قيادة حقيقية، رغم كثرة الزعماء والمتزعمين. وما كان ليوم الارض الخالد ان ينجح وغيره من ايامنا المشهودة، لو لم تكن في تلك الايام قيادات حقيقية كانت تحس بنبض الشارع، وكان وفاؤها وولاؤها للجماهير التي لم تبخل بالتضحية حينما طلب منها ذلك. فأين نحن اليوم من تلك الايام؟!
ولو افترضنا ان ممثلي الاحزاب والقوائم اتفقوا على اقامة قائمة موحدة او قائمتين من اجل اجتياز نسبة الحسم وبقاء التمثيل العربي في الكنيست، فان هذه ليست وحدة وان أخذت طابع وحدة المصلحة. لكن الوحدة الحقيقية هي وحدة الهدف، وهذا غير متوفر الآن، ولا يمكن ان يتوفر في ظل "زعماء" لا همّ لهم الا البقاء في الكنيست او العودة اليه لمن لم يصلوا في المرة السابقة. وهنا فان الناخب العربي سيضطر لانتخاب "شخصيات" تفرض عليه من خلال الوحدة المزعومة، لا الممثلين الحقيقيين الذي يريدهم هذا الناخب. وهذه عملية اغتصاب لهذا الناخب غير نزيهة، وغير شريفة. وحين اقول هذا الكلام فانا لست ضد ان "يتوحدوا" تحت اي صيغة من الصيغ، لا سيما وان معركة هذه الاحزاب اصبحت إما أن تكون او لا تكون. لست ضدهم لان هذا هو الواقع الحالي، "ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
وفي نهاية هذا الحديث، فإنني لا اعلق كثيرا على النتائج القادمة لانتخابات اسرائيل المبكرة، فهي جولة من جولات التخبط. ولن يكون بوسع اسرائيل ان تخرج من مأزقها الا بإنهاء الاحتلال للارض الفلسطينية والعربية، وقيام دولة فلسطين على التراب الوطني الفلسطيني، والقدس العاصمة. وربما تأتي الانتخابات بطرف يميني آخر، وهذا لن يغير شيئا للمواطن الاسرائيلي، وانما ستزداد ازمته، لان ذلك يعني مزيدا من العزلة الدولية لاسرائيل وحكامها. ويبقى الخطر الكامن ان حكاما مغامرين يمكن ان يجرّوا المنطقة الى مزيد من التوتر والسير على حافة الهاوية. فهل هذا ما اراد بنيامين نتنياهو ان يصل اليه، بعدوانه السافر على الارض السورية؟! وهو بلا شك لعب بالنار. ويبقى السؤال: الى متى، ايها الاسرائيليون، ستبقون على هذا الحال البائس، وبلا افق يمكن ان يكون..؟!