العرب المسيحيون في الخلافة الاسلامية

single

كنيسة في عدن، اليمن.


عرف الرسول العربي الكريم محمد (570-632) العديد من النصارى العرب، وربطته ببعضهم علاقات الصداقة والاحترام والقربى العائلية. هكذا أيضا كانت علاقة العديد من صحابة الرسول وآل البيت والخلفاء الراشدين فيما بعد بالعرب المسيحيين القاطنين في الجزيرة العربية من جنوبها إلى شمالها، بما فيها مكة. وفي أسواق مكة كان يُلقي القس ساعدة الايادي خطاباته ومواعظه.
   لم يضمر العرب المسيحيون العداء للدعوة المحمدية – دعوة التوحيد والايمان بالله الواحد الاحد، وانما ساندوها. وإلى يثرب هاجر المسلمون الاوائل، بتوصية من الرسول بعد أن جار عليهم قومهم. وفي يثرب استقبلتهم، من بين من استقبلهم، قبيلة الازد النصرانية. وبملك الحبشة النجاشي المسيحي احتموا واستجاروا. بهذا يكون العرب المسيحيون قد دعموا النهضة الايمانية والحضارية التي اتى بها الإسلام لمجتمع جاهلي عاداه في بدايات انتشار دعوته.
   القرآن الكريم والنصارى: يرد ذكر النصارى في "القرآن" في 127 آية في 23 سورة، بشكل مباشر. ويرد ذكر عيسى (السيد المسيح) عشر مرات، هو "الوجيه في الدنيا والآخرة" (آل عمران 45). وتُذكر العذراء مريم 34 مرة، الله"طهرك واصطفاك على نساء العالمين"(آل عمران 42). اما"الانجيل" فيرد ذكره 13 مرة. وفيه "هدى ونور... وموعظة للمتقين" (المائدة 46).
   قيّم الإسلام المسيحية عاليا: "... والنصارى ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم" (المائدة 69). و"لهم أجرهم عند ربهم" (البقرة 62). و"آمنا بالله ما أنزل الينا... وما أوتي موسى وعيسى... لا نفرق بين أحد منهم" (البقرة 136).. والله يقول لعيسى: "...وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"(آل عمران 55). و"آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل اليكم والهنا والهكم واحد" (العنكبوت 46).
   والمسيحيون كما جاء في القرآن، هم "أهل الكتاب"... "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"(العنكبوت 46) و"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" (النحل 125). و"... لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..."(المائدة 82).
  
   في ظل الخلافة: عاش العرب المسيحيون في ظل حكم الخلافة الاسلامية ما يقارب الـ 13 قرنا، من سنة 633 إلى سنة 1918، بدءًا بالخلافة الراشدة ومن ثم الاموية والعباسية وحكم المماليك إنتهاءً بالخلافة العثمانية. وساهموا، مع غيرهم من مسيحيي إثنيات اخرى، مساهمة كبرى في بناء ما اصبح يُعرف بالتمدن العربي الاسلامي او بالحضارة العربية الاسلامية.
   استقبل العرب المسيحيون واقباط مصر الفتوحات الاسلامية بالترحاب عمومًا. بل قاتلوا إلى جانبها ضد الفرس وضد"الروم" (بيزنطيا) رغم كون الروم مسيحيين مثلهم. وبسبب اطلاع المسيحيين العرب، خصوصًا قاطني البلاد السورية والعراق، على الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية وعلى لغاتها، كانوا ثروة علمية وثقافية لأمة عربية اسلامية انطلقت من بداوة وجاهلية الصحراء لصناعة تمدنها وحضارتها.
   ما من مجال علمي وحضاري، تمدني ونهضوي، إلا وكان للعرب المسيحيين ولمسيحيي اثنيات اخرى دور بارز في نشره وتعميمه. يبرز هنا بشكل خاص دور التراجمة الذين نقلوا للعربية، عن اليونانية والفارسية والسريانية، امهات كتب الفلسفة وشتى العلوم. يقول الفارابي (المعلم الثاني بعد ارسطو) ان الفضل يعود للنصارى في تعليم المسلمين الفلسفة.
   هكذا تعلم العرب في دولة خلافتهم الاسلامية بناء وادارة الحكم والدواوين (الوزارات) والمالية والفلسفة وعلوم الطب والكيمياء والحساب والفلك والبناء والعمارة والفنون (الرسم والنقوش والموسيقى والغناء) عدا عن صناعة السلاح وبناء السفن والتجارة والزراعة وشتى الحِرف.
   ولم يكن العرب المسلمون مجرد متلقّين وناسخين لتلك الحضارة، وإنما كانوا مطوِّرين لها ومبدعين فيها. وانجازاتهم العظيمة في مختلف المجالات العلمية والحضارية شكلت فيما بعد مقدمة غنية لأوروبا لصناعة نهضتها الحديثة بعد السبات والتخلف الطويل للقرون الوسطى.
   اما في المجال الديني المسيحي – الاسلامي واللاهوتي الفقهي، فلقد كان ايضًا للعرب المسيحيين وللحوارات الدينية مع المسلمين في العقود الاخيرة للخلافة الاموية والقرون الأولى للخلافة العباسية، تأثير بارز للمنطق اللاهوتي المسيحي على علم الكلام الاسلامي، وللرهبانية على الصوفية، وللتفسير الرمزي التأويلي لا الحرفي للكتب المقدسة. هذا عدا عن مسائل الارادية والجبرية وحق الاجتهاد وتغليب العقل على النسخ والنقل.


*النهضة الاوروبية كخلفية لنهضة العرب المسيحيين*


   يُعيد المؤرخون والباحثون عصر التنوير والنهضة الاوروبية إلى بدايات القرن السادس عشر. لكنه اكتسح عموم أوروبا ونضج وتبلوَر في القرنين الثامن والتاسع عشر. كانت تلك نهضة عارمة، فكريًا وعلميًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. نهضة ارتبطت بثورات اجتماعية ضد أنظمة الاقطاع والملكية المطلقة وهيمنة المؤسسة الكنسية المتحالفة معها، وبثورة صناعية واكتشافات واختراعات علمية وتكنيكية، وبحركة فكرية فوّارة أخضعت كل شيء إلى محكمة العقل، فإما أن يثبت حقه في الوجود أو يزول.
أصبح شعار الثورة الفرنسية عام 1876: "الحرية والإخاء والمساواة" ما يشبه الدين لأوروبا يومها. واصبحت الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفصل الدين عن الدولة "الاقانيم المقدسة الثلاثة" للعقد الاجتماعي الجديد. ومن الطبيعي ان يقود كل هذا إلى "ربيع الشعوب" الاوروبية، سنوات 1840 – 1848. فانهارت امبراطوريات واستقلت شعوب وقامت دول قومية وطنية جديدة، إذ ان حق تقرير المصير للشعوب الاوروبية وحتى حرية الفرد الذات أيضًا أصبحا من المقدسات.
أما الشرق العربي فكان يغط يومها في سبات وتخلف وركود عميق، في ظل هيمنة خلافة عثمانية اصبحت "رجلًا مريضًا". لم يعد الشرق منتجًا للحضارة ومصدّرًا لها، بل متلقيًا لبعض فتاتها من أوروبا حديثة تتطلع إلى استعماره واقتسامه. وليس بالامكان لثقافة القنانة والاقطاع والاستبداد المطلق ان تصمد أمام ثقافة رأسمالية صاعدة حطّمت المسلّمات القديمة وجعلت العلم ملكية عامة وقوة انتاجية جبارة.
لم يعد بإمكان السلطنة العثمانية ان تنعزل عن العالم، ما دامت تريد البقاء. لذلك تضطر إلى توقيع معاهدات ومنح امتيازات وفتح اسواقها للاستيراد وللتصدير، ومدنها وموانئها للقنصليات وللممثليات الاوروبية- فرنسا وانجلترا وبروسيا والنمسا وروسيا، وكذلك لامريكا. ترافق هذا مع ما عُرف بنظام "الحماية" إذ كانت كل دولة اوروبية عظمى تضع تحت"حمايتها"، بموافقة السلطنة، طوائف ومذاهب دينية مسيحية ويهودية.
   تبع هذه الاجراءات قدوم الارساليات الدينية التبشيرية الاوروبية والامريكية على اختلاف مذاهبها إلى بلاد العثمان والسماح لها باقامة مؤسسات فيها – (بابوية لاتينية، وكاثوليكية، وانجيليكية، واورثوذكسية).وقامت تلك الارساليات بفتح مئات المدارس وبناء مؤسسات للخدمات الصحية والاجتماعية.
    أعقب هذه السماحات والفرمانات العثمانية لجوء السلطنة إلى تعميم نظام"الملّة". والمقصود "بالملّة" مجموعة لرعية من المواطنين من أتباع مذهب ديني آخر (غير مسلم)،جرى السماح لها بأن تدير شؤونها الداخلية الخاصة باستقلالية دينية – طائفية بقيادة رجال الدين. بهذا يصبح الانتماء الديني – المذهبي انتماء هويّاتي خاصا يتمتع ببعض الاستقلالية والادارة الذاتية.
   وكان قد سبق ورافق كل ما ذكرناه سابقًا (معاهدات، امتيازات، حماية، ارساليات، ملّة) اصلاحات دستورية عثمانية عميقة. نذكر اهمها: "خطي شريف كلخانة" عام 1839 و"خطي شريف همايون" عام 1956، ومن ثم اعتماد دستور جديد عام 1876 إبان خلافة السلطان عبد الحميد الثاني. أبطلت هذه الاصلاحات الدستورية عمليًا اعتماد الشريعة الاسلامية كأساس ملزم للتشريع وللقضاء بحق المسيحيين وأعفتهم من دفع الجزية وضريبة الخراج وسمحت بخدمتهم في الجيش، أو دفع البدل.
   هكذا وصلت بعض شذرات واشعاعات النهضة الاوروبية إلى داخل السلطنة، وتراكمت عقدًا بعد آخر المقدمات المادية والثقافية الأولية لحركة التنوير العربية. وأصبح العرب المسيحيون من طلائعها وروادها الاكثر والابرز والأعمق والأبعد في تبنيها وملاءمتها للوضع العربي. هذا دون التنكر، قيد أنملة، لحركة الاصلاح والتنوير العربية الاسلامية وروادها (حاكم مصر محمد علي، والأمراء المعنيون والشهابيون في لبنان، والافغاني والكواكبي والطهطاوي وآخرون).
* التنوير العربي: يُجمع المؤرخون والباحثون على تحديد عصر التنوير العربي الحديث من سنة 1798 إلى سنة 1920، اي منذ بداية حملة نابليون على مصر وانتهاء بانهيار الخلافة العثمانية وتجزئة العالم العربي وفق اتفاق سايكس – بيكو وبدء حكم الانتداب البريطاني والفرنسي على بلاد الشام والعراق. وكانت بلاد الشام- لبنان اولا وسوريا وفلسطين – حيث قطنت غالبية العرب المسيحيين هي المهد للتنوير. كذلك مصر ايضًا، لما توفّر عندها من نهضويين عرب مسلمين وتحت تأثير هجرة متنورين لبنانيين وسوريين اليها. لكن نضوج مجالات وطروحات التنوير العربي جرى منذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى عشية اواسط القرن العشرين.
  لا يعود الدور الريادي والطليعي للعرب المسيحيين لكونهم مسيحيين. وكأنّ الانسان حتى يكون متنورًا يجب ان يكون مسيحيًا. موقف كهذا عنصري في جوهره ويتنافى مع العلم. الذي يصنع التنوير لا بدّ إلا أن يكون متعلمًا ومثقفًا ويجيد اللغات الاجنبية، حتى يكون بامكانه الاطلاع على منجزات النهضة الاوروبية. هذا عدا عن انتمائه، اقتصاديًا واجتماعيًا، للفئات المتوسطة ومن ذوي المهن الحرّة ومن اصحاب القدرة على التأليف والابداع.
كل تلك المقوّمات للعملية التنويرية توافرت لدى طليعة عربية مسيحية بفضل ما ذكرناه سابقًا من معاهدات وامتيازات وإجراءات أتاحتها السلطنة العثمانية لدول أوروبية، وبفضل الإرساليات التي قامت بدور خاص في "نشر" التنوير. وغني عن البيان أن الدول الأوروبية وكذلك كنائسها أولت اهتمامًا خاصًا بالمسيحيين العرب ضمن دولة الخلافة، تعليميًا وإعدادًا مهنيًا وتوظيفيًا في مؤسساتها واجهزتها، وحتى كوكلاء لشركاتها الاقتصادية. (يتبع غدًا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

يتعقْلَن بيبي، لتتوفّر له الشرعيّة!

featured

نعيق غراب البين!

featured

النضال مدرسة ويجب النجاح بها

featured

لعبة القتل المهترئة

featured

ميليشيات إعلام تزييف الوعي

featured

كل المستوطنات جريمة حرب!

featured

المطلوب مساواة وليس لجان

featured

قضية التهدئة وآفاقها في خضم موازنة الصراع على مختلف الجبهات!