قضية التهدئة وآفاقها في خضم موازنة الصراع على مختلف الجبهات!

single

اخط هذه الكلمات صباح الاربعاء، الثامن عشر من شهر شباط الجاري، وفي وقت تركز فيه اسرائيل الرسمية ووسائل اعلامها المجند والمتجندة على امرين اساسيين، الاول، ان رئيس الدولة شمعون بيرس يبدأ اليوم لقاءاته مع مختلف ممثلي الاحزاب والتيارات السياسية البرلمانية التي نجحت في الانتخابات الاخيرة، لسماع موقف ووجهة نظر كل منها حول من سيؤلف الحكومة الجديدة ورئيس أي كتلة سيلقي رئيس الدولة عليه مهمة تأليف الحكومة الجديدة، هل على رئيس الليكود بنيامين نتنياهو ام على رئيسة كاديما تسيبي ليفني؟ ولا زال الضباب يغطي اجواء هذه القضية التي لم تحسم بعد، فحتى كتابة هذه السطور لم ينجح نتنياهو او ليفني في تجنيد واحد وستين عضوا من كتل مختلفة يوصون الرئيس بالقاء المهمة على أي منهما، وفي مثل هذا الوضع الذي يغيب عنه قوة القدرة على الحسم من أي من الحزبين الاكبرين، كاديما والليكود، ترتفع عمليا اسعار اسهم الابتزاز السياسي لاحراز مكاسب فئوية حزبية ضيقة من احزاب تعتبر نفسها "بيضة القبان" في الحسم بين الطرفين، وفي جنوح المجتمع الاسرائيلي اليهودي وخارطته السياسية – الحزبية نحو اليمين المتطرف والفاشية العنصرية فان حزب "اسرائيل بيتنا" برئاسة المأفون الترانسفيري العنصري ايفيت ليبرمان الذي لا يخفي هويته الفاشية العنصرية المعادية للعرب وللدمقراطية قد اصبح للقوة المقررة تقريبا من سيكون رئيس الحكومة واي طابع لاقامة ائتلاف فحزب ليبرمان الذي ارتفع تمثيله من 11 نائبا الى 15 نائبا اصبح "ملاحقا" لكسب تأييده من كلا الحزبين، من كاديما والليكود وحزب كاديما برئاسة تسيبي ليفني الذي ادعى ويدعي قادته انه "حزب المركز ويمين الوسط فقد "ناخ على ركبتيه" ساجدا وموافقا على اربعة ونصف من خمسة املاءات ليبرمان وحزبه الفاشية العنصرية! الموافقة على تغيير طريقة الحكم بالانتقال من الطريقة النسبية القائمة الى الطريقة المناطقية، وسيادة القانون المدني في الزواج والطلاق، ربط حق المواطنة "بالولاء"، الاطاحة لنظام حماس في القطاع ومحاربة "الارهاب الفلسطيني"، ورغم زحف كاديما وراء ليبرمان وتبني املاءاته فان اسرائيل بيتنا لم تعلن عن التوصية بتسيبي ليفني لدى الرئيس لاقامة الائتلاف الحكومي، ونتنياهو وغيره من قادة الليود لم يحظوا باعلان صريح من ليبرمان فالتوصية لدى رئيس الدولة ان يلقي مهمة اقامة ائتلاف حكومي على نتنياهو والليكود بالرغم من وعد نتنياهو لليبرمان بانه سيكون له ولحزبه حقائب وزارية هامة في حكومته. وعمليا فان ليبرمان "يلعب على الحبلين" مع كاديما والليكود وبهدف ابتزاز كليهما، وآخر ما يطرحه هو اقامة ائتلاف ثلاثي من الاحزاب الكبيرة، كاديما والليكود واسرائيل بيتنا يضم اليهم من يوافق على برنامجهم، اقامة حكومة موحدة قومية صهيونية يمينية كارثية برئاسة نتنياهو على الغالب او تسيبي ليفني، هذا ولم يسقط من جدول الاعمال احتمال اقامة حكومة يمين ضيقة من قوى اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو.
والامر الثاني المطروح على اجندة الاقرار واخذ الموقف اليوم الاربعاء هو اجتماع الطاقم الوزاري السياسي – الامني الاسرائيلي للحسم في موضوع ما هو الثمن الذي على اسرائيل دفعه مقابل اطلاق سراح الاسير الاسرائيلي غلعاد شليط الذي تحتجزه حماس، وهل يجب ربط "التهدئة" ووقف النار باطلاق سراح الاسير شاليط ومقابل اطلاق سراح مئات الاسرى الفلسطينيين حيث يجري الحديث عن الف واربعمئة اسير سيطلق سراحهم وبضمنهم قادة فلسطينيون امثال مروان البرغوثي واعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني.
وفي الموقف من تفاهمات التهدئة بين حركة حماس وحكومة اسرائيل عبر الوساطة المصرية وخاصة عبر رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان، فان حكومة الاحتلال الاسرائيلي تلجأ الى المراوغة والتضليل والجرجرة بهدف ابتزاز مكاسب سياسية. فما تم التفاهم حوله عبر الوساطة المصرية وبموافقة من حماس واسرائيل هو تهدئة، وقف اطلاق النار من الطرفين، لمدة سنة ونصف يجري الى جانب ذلك فتح المعابر لضمان حرية تنقل الاشخاص والبضائع من والى قطاع غزة، وجرى الفصل بين قضية التهدئة وقضية اطلاق سراح الاسير الاسرائيلي شاليط ولجوء اولمرت وحكومة الاحتلال بشكل مفاجئ عشية البدء بتنفيذ اتفاقية التهدئة الى اشتراط اطلاق سراح شليط اولا استهدف عمليا الابتزاز السياسي من الفلسطينيين وتحقيق مكاسب لحكومة اولمرت المنصرفة. فاولمرت يستغل حقيقة الوقت الضيق المتبقي لحكومته حتى اقامة حكومة جديدة مرجح ان تكون يمينية متطرفة للضغط باتجاه ابتزاز تنازلات من الطرف الفلسطيني والتهديد بانهم قد لا يحصلون على شيء في ظل الحكومة المرتقبة. والامر الآخر، ان تركيز حكومة اولمرت حول الربط بين التهدئة والامن الاسرائيلي وهوية من من الاسرى الفلسطينيين سيطلق سراحهم تستهدف من حيث المدلول السياسي تضليل الرأي العام العالمي والعربي ان الصراع الاساسي مع الفلسطينيين هو صراع امني لحماية امن اسرائيل من "الارهاب الفلسطيني" وان التهدئة جاءت لخدمة هذا الهدف، وتصوير قطاع غزة وكأنه جسم منفصل عن جسده الفلسطيني كدولة قائمة بذاتها تحت حكم حماس الارهاب!! تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية، قضية شعب يرزح تحت نير الاحتلال ويناضل من اجل التحرر الوطني واقامة دولته المستقلة الى قضية امنية وصراع على توفير الامن وليس ضمان حق وامن الشعوب بالتحرر والسيادة.
ان ما نأمله ان تفشل المناورات التضليلية الاسرائيلية ويجري تنفيذ تفاهمات التهدئة كما تم الاتفاق عليها عبر الوساطة المصرية، وان يطلق سراح شاليط مقابل اطلاق سراح اسرى الحرية الفلسطينيين وفي مقدمتهم مروان البرغوثي واحمد سعدات واعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وغيرهم ومن مختلف الفصائل الفلسطينية، والى جانب ذلك، والاهم من ذلك ان تكون التهدئة رافعة وطنية لاعادة ترتيب البيت الفلسطيني وشحذ آليات كفاحه ليرتفع الى مستوى متطلبات النضال الفلسطيني العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني الفلسطيني، ان تخلق التهدئة المناخ الملائم والظروف الملائمة لاستئناف الحوار الفلسطيني – الفلسطيني الجدي بهدف تجاوز وضع الانقسام المأساوي القائم وطنيا واقليميا بين حماس وفتح وغيرها من الفصائل، وبين الضفة والقطاع، هذا الانقسام الذي تراهن عليه القوى المعادية للحقوق الوطنية الفلسطينية وخاصة المحتل الاسرائيلي وسنده الامريكي لمنع قيام دولة فلسطين مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
ان اعادة اللحمة الى وحدة الصف الوطنية الكفاحية الفلسطينية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية، الحق بالحرية والدولة والقدس والعودة، الضمانة الاساسية لافشال مختلف المخططات التآمرية التي تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وخاصة المخططات الاسرائيلية – الامريكية التي تحظى بتواطؤ بعض الانظمة العربية المدجنة امريكيا، وفي هذا السياق فاننا نؤكد على الاهمية القصوى للتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب العربي الفلسطيني في مختلف اماكن تواجده، في مواطن الشتات القسري وفي المناطق الفلسطينية المحتلة، ورفع مكانة ودور هذه المنظمة. وبرأينا هنالك علاقة جدلية وثيقة بين م.ت.ف والدولة الفلسطينية بثوابتها الوطنية غير القابلة للتصرف، واي خطر يهدد م.ت.ف هو خطر يهدد قيام دولة فلسطينية مستقلة، ولهذا رفضنا رفضا باتا وحذرنا من مغبة الدعوة لايجاد او لبلورة بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل حماس وغيرها. فاخطر ما يواجه مصير القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الى جانب الاحتلال الاسرائيلي والتحالف الاستراتيجي الاسرائيلي – الامريكي وتواطؤ الرجعية من بعض الانظمة العربية معه، هو عودةعهد الوصاية الاسود على القضية الفلسطينية، وصاية كل نظام عربي وسمسرته على القضية الفلسطينية وعلى خدام له من بين الفلسطينيين، ومن حيث المدلول السياسي فان بلورة بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية يعني عمليا مصادرة القرار الفلسطيني المستقل حول قضيته الوطنية ومصيرها وتحويله الى ضحية في ايدي التجاذبات الاقليمية، ضحية الوصاية من هذا المحور الاقليمي او ذاك. فمصلحة الشعب العربي الفلسطيني الحقيقية، مصلحة نضاله العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني، تتطلب رص وحدة صفوفه الكفاحية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية وبشحذ آلياتها الكفاحية بانضمام جميع الفصائل الفلسطينية الى صفوفها وببلورة برنامجها الكفاحي المتمسك بثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية بحق التحرر والدولة والقدس والعودة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

غرب الظلمات – إبن ميكيافيلي-

featured

أسلحة كيماوية غربية في سوريا؟

featured

ألبعد الحقيقي لجريمة المحتلين في القدس والاقصى

featured

الأردن لم يعد كما كان

featured

نـور إلـيـاس الـحـاجّ (أبـو تـومـا): عـاش بـهـدوء... وبـهـدوء رحـل

featured

عندما تئن المدن...

featured

ما بين سوريا ونيكارغوا!

featured

الشجاعة الفلسطينية المطلوبة فورًا