ما بين سوريا ونيكارغوا!

single

الحلقة الاولى

 

// "ثورة"، ام احط "ثورة" عرفها الجنس البشري؟


              على طرفي النقيض يقف المعارضان السوريان نزار نيوف وهيثم مناع.  بين الكافر بمقولة "الحل الامني"، والمؤمن بها عن سابق كذب واصرار آفك. بين صاحب مقالة " ثورة نباشي القبور وسارقي الجثث"، والمتغني ب "الثورة" السورية لحنا سرمديا.
              تعالج المقالة المذكورة اعلاه, الثورات عبر التاريخ وتشيد باخلاقياتها, ومن ثم تلج "الثورة" السورية لتحدد ماهيتها على النحو التالي:
          " وحدها "الثورة السورية" من بين الثورات والانتفاضات كلها ستدخل التاريخ بكونها الوحيدة التي اقدم فيها "الثوار" على سرقة الجثث ونبش القبور وقتل الاطفال ذبحا بالسكاكين لاسباب تتصل بالكذب والدجل والتزوير، ولاسباب مذهبية في المقام الاول والاخير.
              من المؤكد ان ما يحصل في سوريا منذ سنة وعشرة اشهر ليس ثورة، وبالكاد يمكن ان نسميه انتفاضة شعبية. ونحن اذ نذكرها بهذا الاسم، رغم وضعه بين مزدوجين صغيرين، فليس الا من باب المقايسة المجازية. فما يجري في سوريا اقرب الى الحراك الشعبي الشبيه بالانتفاضات الفلاحية وانتفاضات الدراويش ذات المضمون الصوفي التي شهدها التاريخ الاسلامي في العديد من مراحله، لا سيما الاموي والعباسي والمملوكي. هذا مع الاخذ بعين الاعتبار ان تلك الانتفاضات كانت غالبا ذات مرجعية اخلاقية في غاية الانضباط، بينما انحطت الانتفاضة السورية الى احط واحقر درك اخلاقي يمكن ان تعرفه اية حركة شعبية في التاريخ". 
              من الممارسات المبتكرة على يد جهابذة " الثوار" السوريين، يكتب نيوف التالي:
            "منذ بداية الانتفاضة ونحن نسمع ونرى بام العين كيف يعمد "الثوار" حتى الى "مداهمة" بيوت اصابت اهلها مصيبة بفقد عزيز عليها في حادث سير او بسبب مرض، وكيف يقومون بسرقة نعش المتوفى بعد مغافلة ذويه ثم الركض به الى زاوية قصية وتصويره مع صيحات " الله اكبر"، "بالروح بالدم نفديك يا شهيد"، وبعد ذلك رميه في الشارع كما لو انه " سحارة بطاطا"  والهرب بعيدا لارسال الشريط الى احدى القنوات الفضائية على انه شريط لجنازة " شهيد قتلته السلطة"!" 
           عن سمة التحايلية ل"الثورة" السورية، يكشف نيوف عما يلي:
           "مع ذلك يبقى الشكل الاكثر والاوسع انتشارا لسرقة الجثث هو الشكل "المعنوي". فمنذ بداية الانتفاضة يقوم "الثوار" بالسطو على قوائم اسماء شهداء الجيش التي تنشرها وسائل الاعلام الرسمية، وقوائم الضحايا من المدنيين الموالين لها، ثم توزيعها على وسائل الاعلام على انها ل" شهداء قتلتهم السلطة"! ولا يمر يوم تقريبا الا ونسمع في وسائل الاعلام عن سقوط 20 او ثلاثين او اربعين شهيدا من الثوار والمتظاهرين الذين "قتلتهم" السلطة، لنكتشف بعد التدقيق ان قسما كبيرا من هؤلاء ليسوا في الواقع سوى شهداء الجيش والاجهزة الامنية. حيث يعمد "الثوار" الى جمع اعداد هؤلاء وضمهم الى شهداء قتلتهم السلطة فعلا، ثم تحويلها الى "رقم اجمالي" عن حصيلة الضحايا في اليوم الفلاني. والمذهل في الامر ان من يقوم بهذه الممارسات الدنيئة والخسيسة ليس البسطاء من الناس، بل الهيئات السياسية و"الحقوقية" التي تدعي النطق باسم "الثورة"، وفي طليعتها "المرصد السوري لحقوق الانسان"، الماكينة الاكبر لصناعة الاكاذيب والتزوير والنصب والاحتيال منذ بداية الانتفاضة. وكانت موظفة فلسطينية في " مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة" بجنيف اكدت لنا الشهر الماضي ان "التقنيين" في " المجلس" المذكور اكتشفوا ان المئات من اسماء الشهداء التي تسلموها من منظمات حقوقية سورية و/ او سياسيين معارضين" لا يزال اصحابها على قيد الحياة، و/ او هي لشهداء من الجيش والاجهزة الامنية السورية جرت سرقتها من وسائل الاعلام الرسمية السوررية!"
                مناسبة ما قلناه اعلاه هو ما جرى يوم امس على هذا الصعيد، فبعد اقدام " ثوار" مناصرين ل" المجلس الوطني السوري" الذي يترأسه المفكر " برهان قرضاوي" على ارتكاب مجزرة بحق عائلة المواطن محمد تركي في حي النازحين بمدينة حمص لاسباب مذهبية، اقدموا على تصوير انفسهم مع جثث الضحايا واتهام السلطة بانها هي التي اقترفت المجزرة. وهم عمدوا الى هذا الادعاء مستفيدين من حقيقة ان اعلام السلطة، الرسمي وشبه الرسمي، فضلا عن اعلام المعارضة الوطنية الديمقراطية، يتحاشى كله – من باب الخجل- الاشارة الى الهوية الطائفية او المذهبية للضحايا".
             خلوصا من الاقتباسات، لنا من الملاحظات التالية:
• قد تبدو بان الاقتباسات طالت، الا ان فائدتها تكمن في انها تكشف بكثير من التفصيل عما يدور داخل الحراك السوري، من عملية انتاج وصناعة الشهداء، دون ورع وانتهاكا لكل حرمة اخلاقية. فمن نبش القبور الى سرقة الجثث الى قتل الموالين والجنود والاطفال... وبالتالي تحميل السلطة وزر تلك الدماء سعيا وراء التعاطف، وتأليب الشعوب وقواها الثورية ضد القيادة السورية.
•  نتاجا لحجم التناقضات داخل المعارضة السورية في المسائل الاكثر جوهرية، نقول ان الاطلاع على ادبيات المعارضين السورييين فرض، لا ندحة لاي سياسي عنه. مع الحذر بان المعارضة شخوص، قد يكون لها من النظام من جروح وقروح، ما يصعب التعالي عليها لحظة صياغة الموقف السياسي، وهذا ضعف انساني، نفهمه ولا نحمِّل الأنفس فوق طاقتها. ومن جانب آخر فان المال والمصالح في السياسة شانها شأن المياه التي تسري خفية، فتصدع المباني في غفلة عن القاطنين. وكما ان المباني مهما ارتفعت ليست حصينة امام الماء، هكذا هو حال نفوس المعارضين امام سيولة المال واغراء المصالح وحساب الخسائر. نكتب هذه الامور بالتلميح والروية، لنقول بأن اصحاب الفكر الماركسي لا يستنسخون مواقفهم، ولا يجدون في شخوص المعارضة السورية متكئا ومرجعا سياسيا، فالفكر الماركسي دفع عنهم العوز، ورفع عنهم الحاجة في توسل الموقف السياسي من الاخرين.
• ان محبة الحزب الشيوعي العراقي لم تحول دون انتقاده سياسيا، كما ان ما كتبناه نقدا للقيادة السورية لم يتحول لدينا الى عقيدة حقد . فالماركسية تقرّ بان النضال يقع على اشكاله الثلاثة الاقتصادي، والفكري، والسياسي. ان المستوى السياسي - اي السلطة - هو الميدان لحسم الصراع، وهو ليس من النوافل، ليترك الى نوايا القدر وطيبته، ولا الى نزق مقولة كلهم اشرار، وليس لدينا خيار.
تدرك الامبرياليات ابجدية الاستيلاء على السلطة حتى الحواشي والمراجع، وتعلم باليقين ان الصراع على السلطة السياسية هو صراع بين قوى مادية، مؤداه الاستقطاب بين قوتين ومعسكرين، واما خاصرة الامبريالية فلا تنكأ الا مع كل اصطفاف اضافي للمعسكر المناهض لها. ولا يضيرها ان انقسم المعسكر المناوئ حتى لقسمين معادين لها، ومتعاديين فيما بينهما، ففي الانقسام ضعف، وهناك من يؤكل بعد ان يؤكل الثور الابيض.
ان من يعجز وتعجزه موازين القوى، عن الاطاحة بالقيادة السورية حتى وهي تواجه طواغيت العالم، سيسحق تحت سنابك خيول المعارضة العميلة لتلك الطواغيت.
من باب العبرة لا المماثلة قطعيا بين الشخصيات، نقول بان سياسة الخوارج الراديكالية، وطروحاتها المتعالية والمفصومة عن موازين القوى لواقع الصراع، وصولا الى مساواة الامام علي بمعاوية، لم تؤد الا الى تسريع انتصار القوى الانتهازية الانتفاعية وسياساتها المعادية لسياسة الخوارج، هذا ناهيكم عن النتيجة المأساوية حملات ابادة متكررة للمعسكرين علي والخوارج. لم تنتكب الخوارج لكونها صاحبة البديل الثالث، بل لانها لم تدرك اهمية فرز العدو الاساس والتناقض الاساس، في لحظة من الصراع على السلطة كان معلوما بان نصر معاوية يعني ابادتها، ونهايتها كبديل قابل للتطبيق.

 


هيثم مناع وداء غليون، ونضالاته المثيرة!

في تاريخ 14.09.2012 احتفت صحيفة "الاتحاد"، بالمعارض الوطني السوري البارز- على حد تعبيرها- هيثم مناع، وللاطلاع عن كثب على وطنية مناع نسوق سقط الكلام التالي:
" ... اي اننا نتدخل ونتوجه الى الدولي والى الاقليمي، نتصل بكل الاطراف نحاول ان لا نكون في قطب مواجه قطب، نحاول ان تكون لنا سياسة متزنة في علاقاتنا الاقليمية والدولية وان نبني علاقات جديدة مع الناس نقول لهم بان السوري ليس فقط من ياتي لكم ليتنزق او ليأخذ السلاح والمال، السوري هو مناضل يريد تجربة تكون منارة في المنطقة".
سنتجاوز اي اعتراض على حق مناع في الاتصال باي طرف ضالع في الازمة السورية، ولكن ما لا يمكن هضمه تلك اللغة الغليونية المعبر عنها بليونة مقرفة، لسنا اصحاب اقطاب لسنا اهل محاور اقليمية بل ارباب سياسة متزنة مع الجميع. في بيانه تتساوى الانوار والظلم، العدو والصديق. هذا الكلام شعبوي مصاغ بعناية لمخاطبة غرائز الشعب السوري المتعب والمثخن بالجراح، ففي الصلب يوحي بانه ليس من انصار التدخل الاجنبي، ولكنه بالمقابل ليس من اتباع سياسة المحاور والاقطاب والمواجهة الباهظة المكلفة. خطاب اللافرز بين العدو الاساس والحليف، وانزال الجميع منزلة المساواة هو بامتياز مرضي عنه امبرياليا ورجعيا.
حينما تتكالب امام انظار الانسان السوري العادي، قوى الامبريالية والرجعية للاقتصاص من القيادة السورية جراء تحالفاتها ومواقفها ودعمها للمقاومة، سيجد بان هذا الضرب من المعارضة النزقة المتزلفة بمنأى عنه، غريبة هجينة مستهجنة ومذلة له وطنيا. وهل تتساوى امام ناظره معارضة معادية جهارة للامبريالية على نسق الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير، مع هيئة التنسيق المناعية "المتزنة" في علاقاتها الاقليمية والدولية؟
نعيد قولتنا في مقالة " سوريا ومعركة عين جالوت" لكي يكون بديل القيادة السورية بديلا وطنيا وديمقراطيا حقيقيا، عليه ان يتميز عنها موقفا وممارسة في عدائه للامبريالية الامريكية تحديدا، والامبرياليات على وجه العموم. وحينما يترك للقيادة السورية امر المواجهة والتحالف الاقليمي مع ايران والمقاومة، فانها بالضرورة ستزداد منعة في افئدة الشعب السوري. فاما ان تهزم القيادة السورية في ميدانها المواجهة والممانعة والتحالفات الاقليمية، او انها ستنتصر ولو هزمت– ولن تهزم بفضل وطنية الشعب السوري-، لكونها صاحبة قضية مبدئية ووطنية.
من احجيات مناع، كيف له ان يقيم علاقة متزنة اقليميا ودوليا، في ظل وجود السوائب الهولاكية السورية التابعة مالا وسلاحا وسياسة للامبرياليات والرجعيات، والتي عاثت في الارض والانسان السوري قتلا، وتشريدا، وترنسفيرا مذهبيا طائفيا، وخطفا للمقايضات؟. واما تدمير الجيش السوري وتصفية نخبه، على يد كل الامبرياليات، فليتحدث المعارض "الجهبذ" مناع مع حرج. ولسان الحال يقول اقل الايمان الوطني، ادانة دور الرجعيات والامبرياليات التخريبي، وبالاسم الولايات المتحدة وقطر وسلطة قبيلة آل سعود.
لسنا بصدد تخوين مناع، وسنحجم عن تأويل تصريحاته، ومع ذلك فمن واجبنا ونحن نصغي لمقولة " ان لا نكون في قطب مواجه قطب" او لمقولة " ان تكون لنا سياسة متزنة في علاقاتنا الاقليمية والدولية"، ان نقول له علانية بان الصوت صوت فحيح، مؤداه بعد ان تتذوت الجماهير تلك المقولات، وتعتاد اليها ووتعايش معها، ان تتقبل باللاوعي ان لم يكن من الوعي ذاته، الشعارات التالية: محور الاعتدال، سوريا اولا، النأي بالنفس. لا يمكن للوطنية ان تقوم لها قائمة دون ان تفرز العدو الاساس عن البقية، وتباعا ان تسلك سياسة عدائية لا "متزنة". وهل يصعب هذا الفرز على بلد لواء الاسكندرونة، والجولان؟
من "النضالات الديمقراطية"! للمعارض الديمقراطي البارز مناع، هو كلامه التالي:
" نحن نناضل من اجل ان تأخذ الحركة الاسلامية حقها في الممارسة الشرعية للعمل السياسي ولكن ان تأخذ الاغلبية فهذا ما يقرره الناس ولا يقرره لا اوغلو ولا السعودي ولا القطري. المواطن السوري هو الذي يقرر حجم الحركة الاسلامية السياسية الفعلي في المجتمع."
هذا الكلام مدهش، فاما ان صاحبه ساذج او متساذج، هو يرفع عن نفسه كل جهد فكري سياسي، وكأن سوريا لم تخبر بتجربة مصر، ولا تلظت بتجربة لبنان، والسؤال هل يمكن للدولة السورية ان تتحول الى دولة المواطن، ودولة مدنية، ودولة ديمقراطية حقيقية، في ظل وجود احزاب دينية؟ الا توحي التجربة العراقية لهذا "الجهبذ" بشيء؟
شتان، شتان، بين مناع ومعارض بقامة قدري جميل وعلي حيدر اللذان واجها جماهير الحركة الاسلامية المضللة ببسالة، مصلحتكم في احزاب وطنية لا دينية.
ومن يتغنى بشعار الثورة السورية "الدين لله والوطن للجميع" في معركة تحرير الوطن، فليستنسخها في "معركة" بناء الدولة المدنية والمواطنة الحديثة "الدين لله والاحزاب للجميع"، ام ان الوطن يكون للجميع عند ضريبة الدم، لا على اعتاب دواوين الدولة؟ من يؤمم الوطن لا يناضل لخصخصة الاحزاب مذهبياً وطائفياً. فبخصخصة الاحزاب تتخصخص الاوطان وتترهل. ليخض مناع معركته الفكرية السياسية اولا، وليكن الشعب السوري هو الفيصل والحكم في جواز او حظر الاحزاب الدينية، هذا مع العلم بان الشعب السوري قال كلمته في هذا الموضوع، حين اقر الدستور الحديث.
نقول للمتساذج مناع، بعد "نضالك المبارك"! في شرعنة العمل السياسي للاحزاب الدينية. ستتكفل سلطة قبيلة آل سعود، وقطر، وتركيا، والولايات المتحدة، امر فوز الحركة الاسلامية، بكل ما تملكنه من مال، واعلام، وسطوة سياسية واقتصادية، لتتحول سوريا الى لبنان او عراق آخر مقعد ومشلول.
ان المواطن السوري البسيط القلق على وحدة الارض والشعب السوري، سيجد في قيادته التي جازفت بوجودها دون ان تخضع للاملاء الخليجي التركي باشراك الاخوان في السلطة، ملاذه وحصنه، خاصة في ظل وجود هذا الضرب من المعارضة على شاكلة مناع.
ادراكا ومعرفة بغسان بن جدو، وبموقعه وبموقفه، وحصافته الصحفية، كنت على يقين بان ما تم تجاهله في المقابلة المنشورة في "الاتحاد" هو جلل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (1)

featured

أرانب الموكرة!

featured

انها لحظة تاريخية

featured

ستبقى ذكراك خالدة في قلوبنا يا ابا خالد

featured

"معلش يا بلدي اتأخرت عليكي"

featured

جُـودًا وُجـودُك كـان