لظروف خاصة ووجيهة لم نحتفل بقدوم العام الجديد كما هو معتاد. ابتعدنا عن المحرمات فشربنا حتى الثمالة من عصير فواكه جنة بلادنا التي لم تلوثها غازات البيئة العنصرية المنبعثة من وكر وحوش الغاب، وقضينا سهرتنا جولة في احداث المحيط وفي سرد السوالف والحكايات و"طق الحنك". وكان زينة السهرة وعريسها محمد العبد الله الباقي الوحيد من ختيارية العائلة، تجاوز عمره منتصف السبعينيات، خفيف ظل، "بنك معلومات" يتحدث بالتفصيل عن تاريخ واحداث بلدتنا المهجرة ونوادر اهلها. حدثنا كيف انه في عيد الميلاد ما كنت تعرف اولاد المسلمين من المسيحيين في "ليلة الهجمة" وكيف كان يتندر البراونة على "هبلنة" محمود العلي. فلم يحوّق عقله كيف يتخاذل اخواننا المسيحيون في حماية امن وحياة نبي الله السيد المسيح الذي يقتله اليهود كل سنة وربنا يحميه، وذهب الى الامام حسن بعد ان اصطحب معه خوري البروة جبران. قال لهما: عيسى ابن مريم نبي جميعنا ولا يمكن ان نسمح لليهود الاستهتار بنا وقتل المسيح في نفس الموعد من كل سنة، علينا، تابع محمود العلي، تجنيد كل شباب بلدنا ورجالها ونتمترس في الكنيسة وعندما يأتي اليهود ننقض عليهم بالعصي ونلعن فاطسهم وننجي نبينا. وكان خوري البلد حكيما، حيا محمود على نخوته الوطنية، ولم يشعره الاستخفاف بعقله بل قال له "اعداء المسيح والانبياء والسلام والشعوب اقوياء وشريسون مثل وحوش الغاب، وهذا يحتاج منا الى تجنيد قوة هائلة، سأقوم واخي الامام حسن بجولة علي جميع جوامع وكنائس وبلدات وطننا حتى نجند جيش الخلاص من الجريمة وضمان الامن والاستقرار والحياة!! وفرح محمود وقال سأنزل من اليوم الى حرش البلد لتحضير العصي! وفارق محمود العلي الحياة متجرعًا كأس النكبة ومعها مصائب صلب شعب المسيح من المسلمين والمسيحيين والدروز في سلخ قانون الغاب. ما ان انهى محمد العبد الله حديثه حتى بادرته ابنتي "رلى" قائلة، "هات يا عم حادثة اخف وزنا"! بعد ان شرب كوبا من عصير الرمان قال: كان في احدى القرى المجاورة لقريتنا المهجرة مختار اقطاعي اكبر ملاك للاراضي في جليلنا ويملك اكثر من نصف عجال البلد من بقر وغنم وماعز وفرس اصيلة. لم يرزق الا ببنت واحدة سماها "وهيبة" كانت قاطعة الوصفة في الجمال، كان والدها متعجرفا متعاليا يبعدها عن بنات الفلاحين واحضر لها "دادا" ومعلمات من مدينة عكا لتعليمها حروف الكتابة والقراءة، دللها والدها بشكل مبالغ فيه وكانت ناعمة الى درجة "ان دعست على الحرير تخرمش قدمها".
ارسلها والدها الى كلية البنات في القدس، ولغبائها سقطت في الامتحانات ولكن ابن احد الموظفين الكبار في ضريبة الاملاك والدخل من حيفا جننه جمالها الفتان وعلق خراميشه بوهيبة رغم انها من "بره طقشة طقشة ومن جوا خـ.... " اما وهيبة فقد سحرها بالحديث عن بطولاته وقوته وانه يناطح الثور ويفلخ نيع الاسد، وان والده لم يخطئ عندما سماه "سبع الغاب" واتحدت السلطة بالثروة من خلال عقد زواج بين وهيبة وسبع الغاب، ولكن بشرط ان يسكن العروسان في دار المختار. وفي الشهر الثاني من الزواج حملت وهيبة من السبع وكان فرح والدها لا يوصف، احضر لها "الداية" المشهورة في قرى المنطقة لترافق وهيبة طيلة فترة حملها وحتى تولد مقابل مبلغ كبير من المال. ومعروف عن الداية "ام حسين" انها ثرثارة لقلاقة لا تنبلّ الفولة في فمها، فكانت عن طريقها تثري الدواوين باخبار اولاد "البابا والماما" والغنج والدلع وطلبات الوحام وبطولات وعنتريات السبع في ملاهي حيفا بكسر عين وايدي كل جقيم ومعتدي. وعلى رأي ام حسين ان من يكثر الحديث عن شجاعته فانه يكشف عما ينقصه وانه على ذمة الداية فان زوج وهيبة ارنب الموكرة وليس سبع الغاب. وصدقت ام حسين في تقييمها، ففي احد الايام وبعد عملية ناجحة لثوار المنطقة على قافلة للجنود الانجليز والصهاينة، طوّق الجيش الانجليزي قرية المختار طلبا للثوار، دخل الجنود البلد وبدأوا بالتفتيش ولم يجدوا احدا من الثوار المطلوبين. قلقت وهيبة على زوجها ان يكون بشجاعته تحرش بالانجليز واعتقل، صارت الدنيا منتصف الليل وجاء موعد صلاة الفجر ولم يعد السبع الى الدار، خرج حراس المختار يفتشون عنه، وعلى ذمة ام حسين وجدوه لاطيا ومختبئا في طابون ام عيسى وانه من شدة خوفه عملها في سرواله.
وانتشرت في القرية مقولة ام حسين ان سبع الغاب ليس اكثر من ارنب الموكرة. فيا اقاربي – قال محمد العبد الله – ان سبع الغاب لا يزال شبحه يتمَخْتر في تقرير مصير شعبنا. هل سمعتم ان الجامعة العربية ستجتمع قريبا للمصادقة على استئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية حسب املاءات نتنياهو – اوباما؟ قلت، ليس جامعة عربية بل موكرة ارانب مدجنة بالعلف الامريكي وبالهراوة الاسرائيلية. أملنا ان يخترق السياج ويبرز الفهد المتحدي لموكرة ارانب واوكار الذئاب. والشعوب تمهل ولا تهمل يا تجار المصالح الوطنية.
