*قراءة في مسلسل "صالح، هنا ارض إسرائيل" الذي تناول هجرة اليهود من الدول العربية في شمال أفريقيا الى البلاد بقرار وتخطيط من زعامات الحركة الصهيونية*
عرضت القناة الإسرائيلية الثانية مؤخرًا مسلسلا من أربع حلقات بعنوان "صالح، هنا ارض إسرائيل"، سبق أن عُرض في الصيف الفائت كاملاً بصيغة فيلم، ضمن مهرجان خاص بالأفلام الوثائقية. موضوع المسلسل هو هجرة اليهود من الدول العربية في شمال أفريقيا الى البلاد بقرار وتخطيط من زعامات الحركة الصهيونية، والشكل الذي "استُقبلوا" فيه وعملية توطينهم في البلاد. حيث يعود منتجو هذا الوثائقي الى أرشيفات رسمية قديمة والى ذكرياتهم الخاصة والشخصية، وشهادات مسنين ومسنات شرقيين منهم أهل بعض منتجي الوثائقي.
كالمتوقع، أثار، هذا المسلسل ردود فعل حادة ومختلفة ويمكن تقسيمها الى: الردود التي عادت وأكدت العنصرية التي تعرّض لها هؤلاء اليهود، وهم في الحقيقة وكما يقول بعض محاوَري الوثائقي، يهود عرب؛ وكذلك الجانب المتعلق بإقدام عناصر وجهات وشخصيات يمينية على استغلال إعادة نبش هذه الذاكرة الإشكالية بعنصريتها، في محاولة لاستغلالها للمآرب والمصالح التي تخدم مشاريع اليمين الحاكم الراهنة، وعلى رأسها الإمعان في الاستفراد باليهود العرب، وتعميق الشرخ بينهم وبين "النخب القديمة الإسرائيلية" من جهة، وتأجيج شعور العداء تجاه العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، وإبقائهم مخزونا انتخابيا سهلا ومربحا لليمين.
يكشف المسلسل، أو يسلّط الضوء على، بروتوكولات اجتماعات لأذرع المؤسسة الصهيونية، وأبرزها "الوكالة اليهودية"، تعجّ بالمقولات العنصرية التي جاءت كجزء من وصف السياسة المعمول بها تطبيقيًا في توطين اليهود العرب المستقدمين من دولهم شمال إفريقيا. فيما يلي عدد من المقولات المقتبسة من بروتوكولات مودعة في أرشيف "الوكالة اليهودية":
عضو إدارة "الوكالة اليهودية" والوزير السابق، موشيه كول، وجه تعليمات حول كيفية إجبار المهاجرين اليهود العرب على الامتثال لأوامر توطينهم، وجاء فيها: أولا أوقف إعطاءهم الأكل، نحن لسنا فندقا... ليموتوا جوعًا أو يذهبوا للاستيطان، أو أننا سنقطع علاقتنا بهم تمامًا.... أنا اقترح بأن نجبر هؤلاء الأشخاص على الذهاب للاستيطان وإذا لم يوافقوا على الذهاب فإنهم سيُعتبرون غير موجودين بالنسبة إلينا.
الموظف الكبير في "الوكالة اليهودية" والوزير السابق، غيورا يوسيفطال اقترح ما يلي: توجد في القانون ثغرة صغيرة تعطينا إمكانية الضغط عليهم. القانون يقول إنه إذا أبقى الأهلُ أولادهم تحت قبّة السماء فمعنى ذلك أنهم يتخلون عنهم، وعندها يمكننا أن نأخذ الأولاد بالقوة (من المهاجرين رافضين مواقع التوطين) لكي نوفّر لهم سقفًا يؤويهم.
أما رئيس قسم الاستيطان في "الوكالة اليهودية"، رعنان فايتس، فقد كتب الى احد مرؤوسيه ببرود: لقد طلبتُ منك في حينه أن تفتح كتابًا أسود لتسجّل فيه كل العائلات التي غادرت الإطار الاستيطاني الجديد (موقع التوطين) بدون ترتيب وبدون تصريح. وأطلب منك بناءً عليه أن تجمع كل هذه الأسماء وترسل نسخًا من القوائم إلى مكاتب العمل لكي نمنع عنهم العمل... وإلى قسم الاستيعاب حتى نمنع عنهم ترتيبات الاستيعاب والسكن في المواقع التي يتواجدون فيها اليوم، وإلى قسم التأهيل الحكومي لإخراجهم من دور الانتظار للإسكان.
الزعيم في حزب "مباي"، الوزير السابق لوبا إلياب وصف حالة تم إجبار المهاجرين فيها على مغادرة الشاحنات بالقوة، إذ قال: إنهم يرفضون النزول. أعطيت أمرًا للسائق بأن يضغط الزر فكان صندوق الشاحنة يرتفع بينما هم يُقذفون على الأرض. الشاحنة غادرت وبقي الناس على الأرض.
مدير مستشفى "تل هشومير" ومؤسس سلاح الطب في الجيش الاسرائيلي، حاييم شيبا لخّص وقال: لقد كان الشعار حول الهجرة الحرّة ملائما للحظته فقط، ويجب الحذر الآن منه كما نحذر من وباء. فلا يمكن بناء مستقبل لشعبٍ مع مثل خرائب الروح البشرية هذه. إذا ملأنا بهم البيوت التي نبنيها والأراضي التي نسيطر عليها فسيكون هذا شعبًا لا يعمل. سنتحول الى مكتب عمل واحد كبير.
استغلال اليمين المسلسل لقطف ثمار سياسية
صارعت شخصيات من اليمين لاستغلال ما يعيد المسلسل طرحه من أجل قطف ثمار سياسية. وتم توجيه معظم الاهتمام الى بروتوكولات سرية أو بروتوكولات لم تنشر من قبل حول الموضوع والادعاء بأن هناك أسرارا مخفية تخص وتهم الشرقيين ويجب كشفها، لتظهر هذه الشخصيات اليمينية بمظهر المدافع عن حقوق هذه الشريحة. فمثلا أعلن رئيس الوكالة اليهودية ناتان شارانسكي أنه "يؤيد فتح جميع الوثائق الارشيفية المرتبطة باستيعاب المهاجرين الشرقيين". وقال انه "يؤيد كشف كل وثيقة ارشيفية تخص الهجرة ليس من سنوات الخمسينيات فقط بل من جميع هجرات اليهود حتى هذا اليوم". وأضاف أن كل ما يخص عملية الهجرة والاستيعاب في جميع الفترات ومن كل المواقع، يجدر أن توضع أمام أعين الجمهور بشكل شفاف وبشكل حر ولكنه استثنى بالطبع الوثائق التي تضم معلومات ميدانية عملانية سرية.
ويشير عدد من الباحثين الى انه من غير الواضح أية وثائق مرتبطة بالقضية ما زالت قيد السرية وأين يتم تخزينها . فهناك عدة أرشيفات بينها أرشيف الدولة والأرشيف الصهيوني وأرشيفات الوكالة اليهودية والهستدروت الصهيونية. وان دل هذا على شيء فهو يدل على الكم الهائل من المواد التي تتستر عليها المؤسسة الكبرى والتي تتوزع على مؤسسات كثيرة أصغر كانت عمليا اذرعا او اكثر للمؤسسة الحاكمة.
بدورها فان وزيرة القضاء اليمينية اييلت شاكيد أعلنت أيضا أنها تنوي فتح وثائق ارشيف الوكالة اليهودية أمام الجمهور، وذلك في محاولة مكشوفة لممالأة شرائح من اليهود الشرقيين. المؤرخ د. آفي فيكار كان احد مستشاري المسلسل، وهو يقول إن المواد التي تم عرضها ليست سرية بل سبق ان كشفت في السابق. وجاء كشفها من خلال المسلسل لينتج ويثير اهتماما مجددا بها ولكن المسلسل نفسه لم يقدم أي مادة سرية لم يسبق نشرها. وكتب معلقا بهذا الشأن ما يلي: إن منتجي المسلسل قدموا في ساعات مشاهدة الذروة التلفزيونية ما كان معروفا حتى اليوم فقط لمن اهتموا بالدراسة والقراءة والبحث. فمصادر المسلسل هي مصادر أرشيفية مكشوفة لكل من يريد البحث منذ ما يزيد عن عشرين سنة. لم يتم اخفاء أي شيء عن اعين الجمهور. البروتوكولات الخاصة بإدارة الوكالة اليهودية من سنوات الخمسينيات كشفت قبل نحو عشرين سنة على الاقل.
شكل توزيع الشرقيين ومخطط تكريس التهجير
الأهم من وجهة نظرنا، هو الحقيقة المركزية والهامة التي طرحها المسلسل، وتتمثل في أن شكل توطين اليهود العرب المهجرين من دولهم والمستقدمين إلى إسرائيل الصهيونية، جاء ضمن خطة واضحة ومعلنة ومكتوبة ومفصلة لجعل هؤلاء المهاجرين بمثابة حاجز أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين، إذ تم توطينهم باعتراف المؤسسة في المناطق التي عُرّفت "خاوية" ويكتنفها خطر "اجتياح" اللاجئين الفلسطينيين المهجرين إليها. بل أن احد المتحدثين في المسلسل يقول بصراحة كاملة إن من حدد نقاط ومناطق ومواقع توطين اليهود العرب كان الجهاز الأمني بنفسه، إذ وضع الجيش تقارير مفصلة للمناطق التي تقتضي "الحاجة الأمنية" توطين يهود فيها.
وتكفي نظرة سريعة على الخارطة لرؤية أن ما سمي بـ "بلدات التطوير" النائية، أقيمت بمعظمها ليس فقط في مناطق طرفية "خاوية" – أي تم إخلاء الفلسطينيين منها بالتهجير – بل على أنقاض قُراهم الفلسطينية نفسها: مجدال هعيمك على أنقاض المجيدل، العفولة على الفولة، بيت شآن على بيسان، وهذه أمثلة فقط.
الباحثة أيلا شوحط كانت ركتبت مقالا (نشرته "مجلة الدراسات الفلسطينية"، خريف 1998) بعنوان "اليهود الشرقيون في إسرائيل :الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود"، توقفت فيه عند مسألة استخدام هجرة/تهجير اليهود العرب لصد عودة اللاجئين الفلسطينيين.
تكتب في مقالها: "يشكل اليهود الأوروبيون نخبة من العالم الأول تسيطر لا على الفلسطينيين فقط، بل على اليهود الشرقيين أيضاً. وكشعب يهودي من العالم الثالث، يشكل المزراحيم أمة شبه مستعمرة داخل أمة. ديالكتيك التبعية إن هذه المشكلات الموجودة في شكلها الجنيني في فترة ما قبل الدولة، أعطت ثمارها "المرّة" بعد إنشاء إسرائيل، لكنها الآن باتت واضحة بفعل مجموعة متطورة من المسوغات العقلانية والمعالجات المثالية. وقد تحقق تطور إسرائيل الاقتصادي السريع في الخمسينات والستينات على أساس توزيع غير متساو للمنافع بصورة منهجية. وهكذا تشكلت البنية الاجتماعية ـ الاقتصادية على نقيض أساطير المساواة التي ميزت تمثيل إسرائيل لذاتها في العقد الأخير. ثم إن القرارات التمييزية التي اتخذها المسؤولون الإسرائيليون ضد المزراحيم بدأت قبل وصول المزراحيم إلى إسرائيل وقامت على أساس أن "الأشكنازيم"، باعتبارهم "ملح الأرض"، يستحقون أوضاعاً أفضل "وامتيازات خاصة". وعلى العكس من المهاجرين "الأشكنازيم"، عومل المزراحيم بصورة غير إنسانية في المعسكرات التي أقامها الصهيونيون في بلاد المنشأ كما في أثناء الانتقال".
وهي تربط بين شكل توزيع الشرقيين وبين مخطط تكريس التهجير، وتكتب: "لدى الوصول إلى إسرائيل، وُزعت مجموعات المزراحيم المتعددة عبر البلد على الرغم من إرادة البقاء معاً. العائلات فرقت، والمجموعات القديمة فتتت، والقادة التقليديون جردوا من مناصبهم. اليهود الشرقيون أسكنوا، في الغالب، في "معبروت" (معسكرات انتقال) وقرى نائية ومستوطنات زراعية، وفي ضواحي المدن، ومنها ما أُفرغ حديثاً من الفلسطينيين. ومع استنفاد تسهيلات الاستيعاب أنشأت سلطات الاستيطان "عيّروت بيتوّاح" ("بلدات التطوير") في مناطق ريفية وحدودية في الغالب، أصبحت، كما هو متوقع، هدف الهجمات العربية. وكانت السياسة المعلنة "تعزيز الحدود" لا ضد الهجمات العربية العسكرية فحسب، بل أيضاً ضد أية محاولات يقوم بها لاجئون فلسطينيون للعودة إلى وطنهم. وإذا كانت الدعاية الإسرائيلية امتدحت كيبوتسات الأشكنازيم، المحمية بصورة أفضل، لشجاعتها في العيش على الحدود، ففي الواقع إن أعدادهم القليلة (نحو 3 %من السكان اليهود، ونصف ذلك العدد إذا أخذنا المستوطنات الحدودية فقط) لا تكاد تمكنهم من ضمان أمان الحدود الطويلة، في حين كانت مستوطنات المزراحيم الأكثر عدداً على الحدود تضمن قدراً من الأمن. ثم إن مستوطنات الحدود المزراحية كانت تفتقر إلى بنى تحتية للحماية العسكرية القوية كتلك الموجودة لدى مستوطنات الأشكنازيم، الأمر الذي أدى إلى فقد أرواح المزراحيم، إن الفصل العرقي الذي يميل إلى تمييز الإسكان الإسرائيلي يعود أيضاً إلى هذه الفترة. ففي حين يتجه الأشكنازيم إلى العيش في المناطق الشمالية الأكثر ازدهاراً، كان المزراحيم مركزين في المناطق الجنوبية الأقل ثراء".
("نُشر في "ملحق المشهد الإسرائيلي- مركز مدار")
