موت أَمَةِ القاضي

single

في سياحتي في المغرب العربي نزلتُ مع عائلتي في احد فنادق أغادير المدينة التي دمَّرها الزلزال في 29 شباط عام 1960. قبل الزلزال كان تعداد سكانها ما يقارب الخمسين ألفًا. مات ثلثهم أما الذين بقُوا فكانوا جرحى وبلا مأوى.
عند دخولي الفندق العصري أطلّت من على جدار ردهة الانتظار صورة للملك الراحل محمد الخامس وتحتها قرأت: لأنْ حكمتِ الأقدار بخراب أغادير، فإن بناءها موكول إلى إرادتنا وعزيمتنا". على الجدار نفسه استوقفتني لوحة إعلانات أعلموني أنها تتغير كل يوم لتنقل لزائري الفندق جديدًا من الاقتباسات. يوم زيارتي تلك كان هذا الاقتباس لمَثَل مغربي يقول: "عند موت أَمَة القاضي حضرت كل القبيلة وعندما مات القاضي لم يحضر أحد".
في مقولة الراحل المغربي يستتر مبدعان عربيان: أبو الطيب الذي قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
  وتأتي على قدر الكرام المكارم
وأبو القاسم الشابّي الذي قال:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة
  فلا بد أن يستجيب القدر
في كلمتين اختصر الملك المغربي فلسفة الشاعرين العظيمين.. بـ (إرادتنا) و (عزيمتنا) نعانق المجد والذرى. في محضر العاهل وشاعريه نتعلم ألا تتزلزل عزيمتنا كبشر ونحن نواجه المحن.. العزيمة دواء نعالج به أدواء الهزائم والفتن. يهزم الناس الهزائم إذا تمنطقوا بالعزائم والهمم.
إن ركام الزلازل الذي تتركه القاذفات الإسرائيلية في أحياء غزة وغيرها من بلاد العرب سيخلق تراكمًا من الكراهية تستهدف جالبي النكب والكَرب.
أما المثل المغربي عن القاضي وأمَتِهِ فأجده درسًا يدفعني لمحاربة المحاباة التي تنخر بسوسها أفكار وممارسات مجتمعاتنا هنا وهناك. نحن وبشكل جليّ ننتمي لمجتمع نهرول فيه لنحابي زعيمًا من الزعماء أو متنفذًا من المتنفذين.
يعجبني من يحلّق خارج سرب المهرولين. أنحني أمام من لا يجامل أحدًا فيقول الحق ولا يعرف الميل عنه ولا يخشى فيه لومة لائم. لبالغ أسفنا هناك المعلم الذي يحابي طالبًا متساهلًا معه لأنه ابن صديق أو ابن متنفّذ فينشأ هذا فاشلًا إمَّعة.. وهناك الحاكم المحابي المنحرف عن الحق غافلًا الاستقامة من خلال المحسوبية أو محاباة الأقارب وتفضيلهم على من هم أجدر منهم في تبوُّؤ هذه الوظيفة أو تلك. قصة القاضي المغربي الذي لم يشارك المغاربة في جنازته والذين هرولوا بجموعهم للمشاركة في جنازة عبْدته أو أمته تُعلّمنا درسًا بأن الناس يُحابون المتنفذين في حياتهم ولا يفعلون ذلك في مماتهم.
اللهم أبعد عنا محاباة نرفع فيها مِن شأن مَن لا شأن لهم.
قد يهمّكم أيضا..
featured

محمود امين العالم.. وداعًا

featured

نتنياهو وعقلية "الغيتو الأمني"

featured

"تيتي تيتي مثل ما رحتي أجيتي"!

featured

نضال مدني لبناني موحّد

featured

أصبح غير عادي أن يمر بنا يوم عادي!

featured

اعترافات امريكية

featured

مفاوضات سيّئة السمعة