لا أهوى صيد السمك البحريّ أو النهريّ على الرغم من أنّ السمك أكلتي المفضلة ، ولا أكشف سرّاً إذا بُحتُ بأنني حينما أنجز كتابة قصة قصيرة وأظنّها متميّزة أصطحب زوجتي إلى مطعم لتناول وجبة من السمك ومن فواكه البحر ، وأعتقد أنني لا أصلح لممارسة هواية صيد السمك التي تحتاج إلى الصبر وإلى "طول الروح" وأنا رجل "بصلته محروقة" .
لي أصدقاء يمارسون هذه الهواية ويعشقونها ويصطحبونني أحياناً معهم في رحلات الصيد. صديقي العزيز الفنان محمد بكري يأتي عدة مرات في العام من قريته البعنة الحمراء إلى بيتي في قرية كابول ويصرّ على أن يصطحبني إلى الصيد في شاطئ رأس الناقورة ، وهو صياد ماهر ، وبعد أن يصطاد كمية من السمك يشعل الفحم ويشوي شيئا منه لطعامنا ثم أحمل الباقي إلى البيت.
رافقتُ ذات ليلة صديقي ورفيقي الشاعر توفيق زياد في رحلة لصيد السمك في أواخر الثمانينات مع "شلة" من رفاقه الصيادين وقضينا ليلة كاملة على شاطئ الزيب صاد توفيق فيها ثلاث سمكات متوسطات الحجم وألقى اللوم على البحر وعلى السمك ساخرا كعادته، وحينما أخبرتُ صديقي الكاتب إميل حبيبي بذلك حدثني مطولاً عن هوايته في الصيد.
كان صيد السمك هواية إميل حبيبي الكبرى التي يمارسها أسبوعياً وخصص لها صفحات عديدة في كتابه الجميل "خُرّافيّة سرايا بنت الغول" التي انتهى من كتابته صباح يوم الاثنين 24-9-1990 ومن خلاله نعرف أنه كان يمارس هذه الهواية على الشاطئ الممتد من الطنطورة جنوباً إلى رأس الناقورة شمالاً وبخاصة على شاطئ الزيب القرية الفلسطينية ذات الجمال الساحر التي تعلق إميل بها ونقل حرفياً في روايته كل ما كتبه العلامة مصطفى مراد الدباغ عنها في موسوعته الهامة "بلادنا فلسطين".
وكان زملاء إميل الصيادون "أبو الدُّخُل" و "الشيخ" و "أبو يوسف" و "أبو زاهي" و "أبو اليّا" و "أبو عامر" يروون النوادر المضحكة عن طريقة صيده ويزعمون أنه بعد أن يقضي ليلة فاشلة في الصيد يُعرّج على مسمكة في الفريديس أو في عكا ويشتري عدة سمكات من أصناف متنوعة ويعود بها إلى بيته في الناصرة ويقدّمها إلى زوجته السيدة ندى على أنها صيد تلك الليلة. ويعترف إميل حبيبي في سخريته المعهودة حتى من نفسه بذلك في "خُرّافية سرايا بنت الغول" فيكتب "إنّ الغنائم لا تهمني ولا أبغي من وراء هذه الرياضة سوى ترويض ذهني على الهرب من همّ التفكير أو من التفكير بالهمّ".
وأما ولع إميل الشديد بهواية صيد السمك وعلاقته الوثيقة مع المرحوم أبي الدُخل ، وهو صاحب مطعم مشهور في الناصرة ، فدفعه إلى شراء مركب صغير أو قارب لصيد السمك فاستغلّ أعداؤه السياسيون ذلك وكتبوا في صحافتهم التي كان يسميها "جرائد البقدونس" أي الصحف التي لا تصلح إلا للف نبات البقدونس ، بأنّ إميل حبيبي اشترى يختاً وتحول إلى برجوازي كبير على الرغم من أنهم كانوا يعرفون أنّ الرجل متواضع في مسكنه وملبسه ومأكله وأنّ سيارته قديمة ويعتمد في معيشته على راتب محترف حزبي ، وكرروا ذلك أسبوعياً فاعتقد بعض الناس أنّ إميل حبيبي يملك يختاً مثل يخت الملياردير اليوناني أوناسيس الذي تزوج أرملة الرئيس الأمريكي جون كندي أو مثل يخت "الحرية" الذي كان يبحر فيه الزعيم جمال عبد الناصر إلى روسيا أو يوغسلافيا بعد أن ورثته الدولة المصرية من الملك فاروق.
وفي تلك الأيام وفي جلسة عادية في مكتب "الاتحاد" طلب إميل حبيبي من رفاقه الحاضرين أن يقترحوا عليه اسماً للمركب فقال الشاعر سميح القاسم بخفة دمه المعروفة: أقترح أن تسميه "يا ختي عليه"
ولكم أن تتخيّلوا ما حدث حينما سمع إميل حبيبي ذلك.
