صباح الخير- الّلصّ هايمر

single

الكاتب العبري أمنون شموش، شاعر، مُرَبّ، غنّام. حلبي المولد والنشأة، ما زال الحنين يُدغدغه الى مسقط الرّأس، يُضمّخ كتاباته الأدبيّة ويطعّمها بكثير من الأقوال والأمثال والحِكَم العربيّة المُعتّقة، ومنها: كل ديك على مزبلتو صيّاح، القرد بعين إمّو غزال،  الزّبالة بْتِنْفِش حالها، إذا كان لك غرض عند كلب قُلّو يا سيدي، الّلي بيدق الباب بيسمع الجواب، كلبين بيقتلو أسد، إذا كنت راجع من السّفر جيب لأهلك ولو حجر، سَكَتْنالو دخل هو وحمارو، جنّة بلا ناس ما بتنداس،.... كتابه الأخير بالعبريّة: صباح الخير الجبّار هايمر، وهو يقصد مرض الزهايمر الذي يمحو الذّاكرة لدى الكثير من المُسنّين، الكتاب عبارة عن تجربة شخصيّة ما زال يعايشها، حين سطا المرض على شريكة دربه: حانة، وكأنّه يجبرها على فقدان ذاكرتها، ليجرّدها من معظم الذّكريات ومجرى الأمور في مسيرتها المُثقلة بالعطاء والسّخاء، وكما تلاعب الكاتب بعنوان كتابه، هأنذا  أتلاعب في عنوان مقالتي، فجعلته: الّلصّ هايمر بدل الزهايمر.
عُدْتُ الى ما كتبه  الدكتور خليل إندراوس على صفحات الاتّحاد، يوم: 11/3/2015، معرّفا هذا الدّاء بقوله: داء الزهايمر هو السّبب الأكثر شيوعا لِلعتّه - للخَرَف، وهو يصيب أساسًا الرّاشدين في عمر السّتّين أو أكثر، والمؤسف أنّه لا يمكن إبطاء  تطوّر المرض أو عكسه، ويسلب داءُ الزهايمر الشّخصَ تفكيره وذاكرته وقدرته على التّفكير المنطقي والتّعلّم والاتّصال، كما يغيّر المرض شخصيّة الفرد ويعيق تفكيره...
 نعود الى صديقنا شموش وكتابه: صباح الخير الجبّار هايمر، أو الّلصّ هايمر، صدر عن دار النّشر: مسادة، 2015، عدد الصفحات 200، قطع متوسّط، فهو عبارة عن يوميّاته الخاصّة مع قرينته  المصابة بهذا الدّاء الجبّار في السنوات الأخيرة، ومما يزيد الطّين بَلّة، أنّ  شموش نفسه مُصاب بفقدان البصر كلّيًّا، إلّا أنّه ما زال يُثري المكتبات  بإبداعه نثرًا وشعرًا، بِحِسّ مرهف وذاكرة مُفعمة بالعطاء والسّخاء، رغم تخطّيه العقد الثامن من عمره، الكاتب ينقل القارئ الى أجوائه البيتيّة الخاصّة جدًّا جدًّا، ليس الى صالونه وحسب! بل الى غرفة نومه، لِيُطلع القاصيَ والدّاني على جبروت الّلص  الجبّار الذي يسطو على العقل البشري، يمحو ذاكرة قرينته بشكل مذهل غريب عجيب، لدرجة أنّها باتت لا تتعرّف على: أبنائها، أحفادها، بيتها، محيطها. ملاذها الوحيد الذي ما زالت تذكره هو قرينها  أمنون شموش!وهو لا يبخل عليها أبدًا، رغم فقدانه لِبصره وقواه الخائرة مع الشّيخوخة.
 في مهاتفة بيننا وَبِإهْدائه لي يقول: حبيب ألبي/قلبي/: أرجو أن تنقل مشاعري وأحاسيسي الى القرّاء العرب، ولديهم مِمّن يعاني من هذا المرض، وأرجو أن يستفيدوا من تجربتي الخاصّة، ويضيف مثلًا من أمثالنا الشعبيّة: إسْأل مجرّب ولا  تسأل حكيم! رغم أنّ الكتاب تتصدّره لازمة أنانيّة من قِبَل النّاشر: كلّ الحقوق محفوظة للناشر، لا يجوز طباعة، نسخ، تصوير، حِفْظ، ترجمة، بيع، نشر، أو تخزين ألكتروني لِأيّة قطعة من الكتاب، دون إذن صريح من النّاشر! يكتب لي أمنون بخطّ يده، دون أن يرى: كلّ الحقوق محفوظة لك يا نمر!
في بلادنا يوجد مركز طبّيّ واحد باسم المركز الطبّي لمرضى الزّهايمر، حيفا، جاء في تقديم الكتاب، بقلم السّيّدين:  ب. ميخائيل دفيدزون، رئيس المركز، ونيتاي ألياش المدير العامّ. مندوب الشّيطان  سطا على وعي، وحبّ استطلاع حانة، لكن ليس في مشاعرها  وروحها.
 في هذه اليوميّات المؤلمة يتخلّى القارئ عن كثير من الانتماءات الخاصّة ويتمركز في الانتماء للأسرة البشريّة والإنسانيّة، داعيًا كلّ ما عدا ذلك جانبًا، أسلوب سلس  بسيط، رغم طاقات وإمكانيّات أمنون اللغويّة، البلاغيّة، حسن السّبك، وكافّة المُحسّنات اللغوية والإبداعية، لينقل لنا التّفاصيل الدّقيقة بينه وبين حانة زوجته، صراحة، صدق، معاناة، ألَم، حسرة، حشرجة، لوعة، حنين، مشاركة وجدانيّة ومشاعر انسانيّة مع رفيقة الدّرب طيلة سبعة عقود خَلَتْ، هذه القرينة التي نجت بأعجوبة من براثن الوحش النّازي، ناذرة نفسها للتخفيف من آلام ومتاعب الآخرين، وبشكل خاصّ: الأطفال منهم، حين  يسترسل مع مشاعرهما سابقًا ولاحقًا، يتحسّر ويتألّم لألَم رفيقة الدرب يقول:
"عيوني تدمع، رغم فقدان بصري، أنا هو الذي بحاجة الى مساعدة، تراني أقف الى جانب قرينتي، العين بصيرة واليد قصيرة، جبناك يا عبد المعين تَتْعين أثاري بَدّك مين يعين"، تدمع عيونك كقارئ معه، تشاركه وجدانيًّا وشعورًا أمام هذا الّلص-هايمر الغاصب المعتدي على خصوصيّات وكرامات العُزّل  الغلابة، مستضعفًا إيّاهم،  مستهينًا بعجزهم جسديًّا، فكريًّا وعقلانيًّا،  تضع الكتاب جانبًا لِتُكفكف الدّموع المترقرقة على خدّيك، تحجب ذلك عن أفراد أسرتك، لكنك لا تنجح، لعلّك تستريح وتنسى للحظات، لكن الألم والمشاركة الوجدانيّة، يرغمانك على العودة لهذه المذكّرات، تنسى نفسك ودموعك، تحاول التّركيز ولكن سرعان ما تنتقل إليك هذه المشاعر، خاصّة إذا كنت في جيل من قاربوا أو عبروا هذه الحقبة، تهاتف المؤلّف نظرًا لوحدة الحال، وإذا به بأعصاب أصلب من الصّلب والفولاذ، يواسيك بدل أن تواسيه، يبعث بك الرّضى والقبول أمام مشيئة الله، ومشيئة اللص الجبّار، تهاتف بقيّة أفراد الأسرة للمشاركة، وكأنّهم جميعًا يحذون حذو أمنون البطل المجهول الذي يتحمّل كافّة الأهوال والأثقال، لا ينوء تحتها عجزًا رغم عجزه، بل يُصرّ على المواجهة، يتعامل مع اللصّ الجبار وكأنّه عدوّ بشري، يحاول التّمويه عليه، مُصَبّحًا مُمَسّيًا، مخادعًا مخاتلًا، لكن لا حياة لمن تنادي، فكلمات أمنون العذبة، لا تُسمع من به صمم، ولا تُؤثّر على مَن تخلّى عن كافّة المشاعر الإنسانيّة، يدخل الصّورةَ الأخصّائيّون النفسانيّون، المساعدة الحاضنة، المُمرّضة الرقيقة، الطّبيب النفساني والجراحي، المؤسّسات المهنيّة، عيادات ومستشفيات، دور نقاهة واستجمام، ورغم كافّة النّوايا الحسنة والخيريّة لدى الجميع، تبوء معظم هذه بالفشل، ليبقى العبء الثّقيل على أمنون، فهو الملاذ الأوّل والأخير، يدغدغ مشاعرها بالفكاهة  والقصص المثيرة من الماضي البعيد، تنشط ذاكرتها للحظات، روح الدّعابة كانت عندها من أقوى مركّبات شخصيّتها البشريّة، تبتسم، يجاملها الابتسامة، رغم بصره الكفيف، ولا يعلم ما في القلوب سوى الرّبّ المعبود، لأن أمنون يهدي مذكّراته لحبيبته رفيقة دربه، التي كادت تفقد كلّ شيء، حتى في مملكتها، عرينها، قلعتها وملاذها الذي باتت لا تعرفه، أو تميزه عن أصقاع المعمورة، من جرّاء هذا اللص الفتّاك، يكاد لا يبقي خلية واحدة من دماغها، إلّا وعاث بها فسادًا خرابًا وتدميرًا، كالدواعش الجُدد والقُدُم!
تضحك  وتقهقه، يسايرها ويلاطفها، وجدانيًّا، يحمل،  يحلم بوميض من الأمل، النّور في نهاية النّفق، أو قُل: الضّجيج، لكن سرعان ما يعود اللص الجبار  مهدّدًا مزمجرًا لينقضّ على فريسته بأظفاره ومخالبه الرهيبة، انّه غول أخطبوط، شيطان وطاغية. البروفسور: أهرون بن زئيب/ جامعة حيفا يكتب في تظهيره للكتاب: إنّنا نتعاون مع أمنون شموش في بحثنا هذا عن مكانة الحُبّ لدى مرضى الزهايمر، معتقدين أن الكتابة الأدبيّة  الشخصيّة ستُعمّق معرفتنا، وتكون عونًا لكثيرين آخرين يواجهون المرض من جانبي الخندق/ المتراس.
 دعونا نضمّ صوتنا،أملنا وألمنا وقلمنا الى أمنون وأفراد أسرته الكريمة، في القرية التّعاونيّة: معيان بروخ،  ونعرفهم جميعًا، كي يهوّن الله ويخفّف عن حانة وطأة هذا الدّاء الفتّاك، ولسان حال أمنون يقول: سأصبر حتى يعجز الصّبر عن صبري... وسأصبر حتى يعلم الصّبر بأنّني صابر على شيء أمَرّ من الصبر. وتثير دهشتنا وتفاؤلنا  صورة أمنون يجلس على حقيبة سفره، شادًّا عصا الترحال الى سوريا مسقط الرّأس، وكتب أكثر من مقال تحت عنوان: لا تتعجّلوا في رثاء الرئيس الأسد! ولعلّ أمنون ورفيقته حانة يُذكّراننا بأغنية سهام رفقي السّوريّة، وغنّتْ على مسارح يافا قبل النّكبة:
 حوّل يا غنّام، حوّل بات الليلة هين    قُلّلي يا غنّام بالله  شايف حُبّي وين
 عاهدني المحبوب ببالو ييجي يلاقيني    مالو يا غنّام مالو ما بيدَفّيني
يا زينة العربان بَقْسِم بديني ع َ غدير      المَيّ غادي غاد شُفتْ الزّيني
يْطوّل عمرك يا غنّام، ردّتْ روحي لي   حوّل يا غنّام حوّل بات الليلة هين
دُمْتَ يا أمنون عونًا لحانة وإنسانًا: إن شاء الله! على طريقة طيّب الذِّكْر، الكاتب المربّي خليل السكاكيني، المقدسيّ بامتياز.
قد يهمّكم أيضا..
featured

بوتين/وف.. لافروف.. بوغدانوف وحذاء خروتشوف

featured

صاحب الرأي الصائب والرزين

featured

الاحتلال يبتلع اجراءات القضاء

featured

جاهزون للمعركة

featured

"الهزائم ليست قدرا"

featured

وداعاً أيّها الشّيوعيّ الشّيوعي

featured

وماذا عن الاستيطان في الجولان المحتل؟