"الهزائم ليست قدرا"

single

مع تيسير العاروري ورفيقة دربه أمل غضبان في زيارتهما الى حيفا مؤخرا



عندما افترقنا للمرة الأخيرة قبل خمسة أسابيع ألحّ علي تيسير أن نرتب لقاءً قريباً نستكمل فيه ما ناقشناه من قضايا.. لم أكن أتوقع أن أن ترتب الأقدار لقاءنا بمثل هذه السرعة، ولا في مثل هذا الموكب الجلل في ظل نعشه المرفوع على أكتاف الوطن.
في مثل هذا اليوم التموزي قبل عام بالتمام رحل والدي الحبيب بشكل مفاجئ، ومن المفارقات أن أودع في اليوم نفسه من تموز هذا العام أخي الكبير ورفيقي الشيوعي الجميل تيسير العاروري، الذي رحل بهذا الشكل الفاجع، رقّةً إنسانيةً غامرةً، وعمقًا فكريًا وسياسيًا، وصلابةً مبدئيةً لا تعرف الانحناء.
تيسير العاروري اسم سطع في سمائنا الوطنية الاولى، أبناء جيلي ممن شبوا على الطوق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في الحركة الطلابية العربية في الجامعات الاسرائيلية. كان هناك بالنسبة لنا احتلال بغيض من جهة، وكان في المقابل ما يمثله تيسير العاروري الذي عرفناه عن بعد وحفظنا له اسمه وصورته وسيرته.. عرفته ساحات الكفاح في مواجهة الاحتلال وإغلاق الجامعات، وعرفته سجون الاحتلال، وطالته سياسة الابعاد عن أرض الوطن، وعرفته منصات التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني.. يحمل في عيوننا ملامح وطن وقسمات شعب مقاوم.
رحل تيسير العاروري بهذا الشكل الفاجع، حاملا مقولته التي طبعها على غلاف كتابه وحفرها في ضمائرنا وصية وعهدا: " الهزائم ليست قدرًا".
ونحن نقر ونثبِّت أمام قبرك، أنه فقط من كان، برغم حلكة الليل، يراهن على الطاقات الكامنة في الشعب الفلسطيني بعماله وفلاحيه ومثقفيه الثوريين، ويراهن على القدرة موضوعيا على استنهاض وزن الجماهير الشعبية الكادحة واستعادة زخمها الكفاحي وطنيا واجتماعيا، وزجه في معركة التحرر من الاحتلال ومن هجمة الفكر الرجعي والغيبي، يعرف أن الوزن النوعي للمشاركة الشعبية قادر أن يعدل الميزان المائل لصالح الاحتلال، وأن يوازن صلف جرائمه.. ويعرف بالمقابل أن الانكفاء عن المواجهة الشجاعة مع التمدد الرجعي، في المنطقة العربية، فكرا ومشروعاً، ليس قدرا.. ويعرف أن الانقسام ليس قدرا.. ويعرف أن المفاوضات العبثية ليست قدرا، والحروب العبثية ليست قدرا، ويعرف أن قدر الشعب الفلسطيني وخياره اليوم ايضا، أن يواصل النضال العتمد على العمق الشعبي،  حتى إسقاط مؤامرات ثلاثي الامبريالية..والصهيونية.. والرجعية العربية، المنفلتة على الحقوق القومية المشروعة للشعب الفلسطيني، كل أطراف هذا الثلاثي معا، وكل واحد منها على حدة، معتبرين ان الساعة مواتية لتعليق الحقوق الوطنية وتصفية القضية نهائيا.
ترأس تيسير العاروري منصب رئيس لجنة التسميات المتفرعة عن بلدية رام الله منذ خمس سنوات او يزيد، فصارت شوارع البلد أكثر من طرقات، صارت شوارع رام الله مشروعا وطنيا مرصعاً بأسماء الوطن ورموزه الوطنية التقدمية، امتدادا وتكاملا وتواصلا تقدميا، من شارع إميل توما الى شارع فؤاد نصار، ومن شارع توفيق زياد الى شارع غسان كنفاني، ومن شارع إميل حبيبي الى شارع عبد الرحيم محمود، ومن شارع أبو سلمى الى شارع حنا نقارة وبشير البرغوثي، شوارع باتت تحمل جينات وطن، توحد شعبا فرقته النكبة، وتوحد وطنا مزقه الاحتلال والاستيطان، وتكرّم الحجر الذي أهمله البناؤون، في الرواية التاريخية الفلسطينية، فصار رأس الزاوية.
التقينا قبل خمسة أسابيع لقاء حميما مكثفا في حي الطيرة، ما كان يمكن ان يقطع تواصله غير موعد تيسير مع طبيب القلب لاجراء بعض المراجعات. طمأنني بعدها فاطمأننت. تناولنا في أشبه ما يكون "بالعشاء الأخير"، ما طالت أيدينا ووقتنا من القضايا والقراءات والتحليلات لما يحدث من حولنا، وطالبني تيسير بأن نلتقي بكثافة أكبر لننجز بعض الافكار المشتركة الملحة.
 ناقشنا بتوسع مشروعا اصيلا حمله تيسير معه الى لقائنا، تمحور في أن نقوم خلال عام من الآن، تيسير وأنا، على إصدار كتاب مشترك يصدر عن مركز فؤاد نصار في رام الله، وعن معهد إميل توما في حيفا، لرصد وتوثيق وتحليل أبعاد الانتفاضة الشعبية الجبارة التي فجرها الشعب الفلسطيني قبل ثلاثين عاما والتي كان تيسير العاروري فارسا من فرسانها الشجعان،، فقدمت نموذجا ومفهوما كفاحيا شعبيا مقاوما جديدا أغنت به التراث التحرري والثوري العالمي.
أقول هذا الكلام أمام قبرك الطري أبو فارس، وعداً والتزامًا وعهدًا بأن نقوم بإنجاز هذا المشروع خلال الوقت الذي حددناه، وستكون معنا هناك، مثل نجم الشمال هادياً وموجِّهاً.
 واعلم يارفيقي الغالي، أن الدموع والأسى تعلمنا مرة أخرى أن الموت أعجز من أن يغيّب أحباءنا وإن رحلوا، واعلم أن جلّ ما يقوى على فعله الموت بك وبنا، بعائلتك الصغيرة الطيبة، وعائلتك الكبيرة المناضلة، هو أن يكثف شوقنا اليك، وأن يغير شكل حضورك، واعلم أنك باقٍ، باق، باق.. معنا وفينا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"كُثر الشد....."

featured

هؤلاء اخوتي الذين لم تلدهم أمي

featured

"السلطتان".. كفاكم عارًا وعبثًا!

featured

للإرهاب في إسرائيل أب وأمّ شرعيّان!

featured

قرار اوروبي هام

featured

قانون جبان وأحمق كأصحابه

featured

تير معلة السورية وعرعرة الفلسطينية في المثلث الأخضر