تير معلة السورية تقع على الضفة اليمنى لنهر العاصي
ما الذي يجمع بين تير معلة السورية التي تعاني في هذه الأيام بسبب الأزمة السوريّة ومحاولة الأنظمة الرأسمالية والامبريالية العالمية النيل من استقلال سوريّا وإرادتها المستقلة بمساعدة أنظمة عربية تسير وفق المخططات الامبريالية والخانعة لها والبعيدة جدا عن الديمقراطية وحريّة الفرد وإمكانيات تداول السلطة بشكل ديمقراطي – كما تطالب قوى المعارضة المسلحة والمدعومة -، وبين عرعرة الصامدة، الصابرة، الباقية رغم محاولات الترحيل والحكم العسكري، وسياسة التمييز القومي لحكام إسرائيل، تتطور ويتعلم طلابها في جامعات العالم وبنت مدرسة ثانوية وإعداديتين وخمس مدارس ابتدائية، ولا يوجد بها مصانع رغم أن عدد سكانها اليوم ما يقارب العشرين الف نسمة وفي سنة الفين أكثر من عشرة آلاف نسمة.
تير معلة تقع في محافظة حمص وفي ريفها الشمالي على الشارع الدولي السريع حمص- حلب، إلى الشمال من مدينة حمص، وعلى بعد ثمانية كيلومترات من مركزها، وتعتبر أول المعابر الرئيسية للمدينة باتجاه الريف المعاكس، وعلى الضفة اليمنى لنهر العاصي، وهذا الموقع منحها رونقًا وجمالا رائعًا، فهي تتمتع بطبيعة خلاّبة ومناخٍ معتدل.
وبلدي عرعرة تقع على سفح جبل الخطاف الأشم، من سلسلة جبال نابلس (السامرة)، تمتاز بجمال منظرها وحسن مناخها، عندما تجلس على سفح الجبل ترى بأم عينيك وبدون مجهر جبال الكرمل وجامعة حيفا، وهضبة الروحاء وقراها المهجرة والقرى الباقية مثل معاوية وكفرقرع والبيار والبياضة وعين ابراهيم، وترى البحر الابيض المتوسط بجمالية خاصّة ومن أماكن معينة ترى جبل الشيخ وعمامته من الثلج ، تحرس وادي عارة من جهة الجنوب من غائلة الزمان، تدل آثارها من أيام الكنعانيين والرومان على مكانة هامة لها ولشقيقتها عارة (عارونة الكنعانيّة)، تعتبر ذات مكانة خاصة في منتصف شارع وادي عارة وسهل وادي عارة الذي يمتاز بخصوبته فزرع فيه الأهالي الحبوب والخضار على أنواعها وكروم العنب والزيتون واللوزيات على سفوح الجبل وكثرت بها عيون الماء مثل عين الزيتونة، وعين البلد، وعين النزازة، وعين الشيخ مسعود، وعين الحنية وعين وادي القصب وغيرها، ولو لم تميز ضدها حكومات إسرائيل المتعاقبة لأصبحت من أهم المواقع السياحية في البلاد.
تير معلة السورية تحتوي على عدد لا بأس به من المصانع والمعامل الغذائية والاسمنتية، كذلك مصانع الغزل والنسيج ومصانع لتصنيع البطاطا وغيرها من المواد الغذائية، نأمل أنها بقيت رغم الحرب الدائرة في سوريّا هذه الأيّام.
عرعرة – المثلث بلدي الغالية.. لا يوجد فيها ولو مصنع واحد بسبب سياسة التمييز المستمرة ضدها وضد قرانا العربية الأخرى.
ولكن لمَ المقارنة اليوم بالذات بين هاتين البلدتين الشّاميتين الشام الشمالي حيث تربض تير معلة والشام الجنوبي حيث تتمترس عرعرة؟
السبب ما قرأته للكاتب السوري فرج بيرقدار الذي يعيش في السويد في مقالة له بعنوان مواربات الحزن والفرح – في مجلة الهلال المصرية العريقة التي أسسها جورجي زيدان عام 1892م، ومنذ تعرفت عليها ما زلت أتابعها شهريًا (1)
وفيه يتطرق لارتباط الحزن والفرح معا في قريته ووجدت في المقال أهزوجة حزينة تقال حرفيا تقريبا في الأعراس في قريتنا مع فروق في اللهجة والهدف وأنقلكم لبعض الجمل التي يصف فيها الكاتب السوري قريته مع مقارنة للعرس في قريتي :
في تقاليد أهالي قريتنا تير معلة (2) ما يشبه ذلك أن يستعير العرس الكثير من ملامح الجنازة (3) في عصر اليوم الأخير من العرس، يذهب أهالي القرية نساء ورجالا شيبا وشبانًا وأطفالا إلى المقبرة لأن التقاليد تقتضي أن تكون حلاقة العريس و(تلبيسته) داخل المقبرة!
هناك... يصطف الرجال على شكل دائرة. وأذرعهم متشابكة على الأكتاف، والعريس مع الحلاّق في المنتصف.
تترافق الحلاقة مع اغنيات محفوظة تمتدح مناقب العريس، يؤديها الرجال بملامح فيها مزيج من المهابة والكبرياء والهواجس الغامضة، وبصوت جماعي مليء بالقوة والألم، بالتحدي والانكسار، بالرجولة المتعالية على ما فيها من طعنات غائرة، وبكل ما ينطوي عليه مقام الهزام الذي ينظم غناءهم، من حزن فاجع وعميق الأصداء.
صوت جماعي ذو إيقاع بطيء بطيء،تمتد فيه معظم الحروف إلى نهايات الموج والغربة والوجع:
يا اااااا نسر يا شااايب الراااااااااس
مااااالك على الجوووووع
قييييوووة
وان كا ااااان مأكووووولك لحم ضآااااااان
حييد على العريس تلقى
المييييييييروووة (4)
في تقاليد قريتنا عرعرة في المثلث الشمالي يستعير العرس الكثير من ملامح البطولة والرجولة البعيدة عن أي ملمح للجنازة، ففي زفة العريس نستمع إلى المحوربة وهو الغناء المرتبط والذي يعبر عن البطولة والقوة واحترام العريس وتقديره بعد الحلاقة والحمام مثل عريسنا عنتر عبس... عنتر عبس عريسنا و يا شيخنا يا ابو فلان (بشكل عام والد العريس أو كبير العائلة أو الحي) هز القنا قدامنا... ولمّا تعطي ع الهجوم عندك نبيع ارواحنا أو واحنا العراعري المشهورين بالسيف نخلص حقنا ومن المعروف تاريخيا أن عرعرة وعارة وقرى المثلث لم تستسلم لقواة الهاغناه في عام النكبة 1948م، بل سلمت بموجب اتفاقية وقعت عام 1949م في جزيرة رودس بين ممثلي الملك فؤاد الأول (مصر)، والملك عبد الله الأول (الاردن)، ودافيد بن غوريون (إسرائيل)، ولذا بقي هذا الحدث مثار ألم وغضب على الأنظمة العربية الرجعية، وكبرياء وفخر لسكان المثلث وبضمنها قريتنا.وأحيانا أبيات شعر ملحنة على المحوربة من أبيات المعلقات العشر التي تدل على الفخر والبطولة... ولا مكان لأي نوع من الحزن هنا.
وحلاقة العريس عندنا تجري ليس على المقبرة بالمرة بل في بيت عزومة العريس لدى أحد شباينه أو أصدقائه أو جيرانه أو أقاربه وخلال الحلاقة تغنى أغاني الفرح بالمناسبة مثل احلقلو يا حلاق أوعى تجرحو و احلقلو يا حلاق بموس الذهب.. الخ وفي حلقة أخرى تغني النساء أغاني مناسبة خاصة عندما ينتهي حمام العريس بعد الحلاقة ولبسه لبسة العرس التي اختارها وعروسه لهذا اليوم.
بعد ذلك ومن خلال المحوربة التي يتخللها أحيانا أبيات من المعلقات وخاصة معلقة عنترة بن شدّاد لما فيها من غزل وتغنٍّ بالبطولة مثل :
يا دارَ عبلة بالجوزاء تكلمي وعمي صباحًا دارَ عبلة واسلمي (وفي هذا إشارة واضحة لبيت العروس)
أو :
هلاّ سألتِ الخيلَ يا ابنة مالكٍ إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعفُ عند المغنم
وأثناء المحوربة الجماعية تحور بعض الكلمات لتناسب الجماعة مثل : ..... الوقيعة أنّنا نغشى الوغى ونعفُ عندَ المغنمْ وغيرها من ابيات البطولة والرجولة والفخر.
يصل العريس مع الشباب إلى بيت الزوجية أو بيت الوالدين، فيؤذن فوق رأسه ويدخل على عروسه، وتبدأ النساء ببعض الاغاني الفرحة والدعوة بتوفيق العروسين، وينصرف المحتفلون ويبقى العروسان للاستراحة والاستعداد للحفل،إما في قاعة لعرس موسيقي، أو لساحة أو قاعة واسعة لعرس مع شاعرين شعبيين، والمهم في ألامر أن في بلدي عرعرة وعارة،عندما يرى الأهل ان هناك فتورًا سواء من الشاعر الشعبي (الحداء) أو الجمهور، يتحلق مجموعة من الشباب وبشكل عام مع أحد كبار السن أو اكثر ويبدأون بصوت جماعي ذي إيقاع سريع تعابيره واضحة فيها تحدٍّ وطلب من الجمهور أو من الحادي دون ذكر لمن يتوجهون قائلين:
نسر يا شايب الراس
مالك على الجوع قوة
وان كان مأكولك أو (توكل) لحم ناس
احنا اصحاب المروة
ويتنادون ع السحجة يا شباب ونتحدى الشاعر الشعبي (الحدا)، وعليها الجيره ما انّام الليلة ، ويدب الحماس بين الحضور والشاعر فيقوى صف السحاجة ويبتهج أهل العرس والحضور والجمهور.
هذا التشابه، من ناحية والفروق من ناحية أخرى بين تير معلة في شمال الشام، وبين عرعرة الفلسطينية في المثلث جنوب الشام هو طبيعي بين أبناء الشعب الواحد والحضارة الواحدة، والفروق هي أيضًا جزء من التنوع ومن وجدان المكان نفسه.
فتحية لفرج بيرقدار الذي كتب مادته لتوحي لي بهذه المقارنة بين بلدتين، وتحية لأهالي تير معلة متمنيا لهم جميعًا ولكل سوريا وكل أهاليها أن يتوقف نزيف الدم فيها إلى الأبد وأن تتوقف التغريبتين الفلسطينية والسوريّة وإلى الأبد، وألا يتغرب شعبٌ في العالم كما تغرب الشعبان الشقيقان الفلسطيني والسوري، وتحية لأهالي بلدي عارة وعرعرة وكل أهالي المثلث وقرانا ومدننا التي صمدت وبقيت تتطور وتحرس المكان محتفظة بجذوة البقاء والتطور الانساني والطبيعي في وطن الآباء والأجداد.
//إشارات :
1. فرج بيرقدار – مواربات الحزن والفرح – مجلة الهلال عدد 1463، شباط (فبراير)2015م ص118-119.
2. في بحثي عن سبب التسمية قيل انها بالأصل دير معلة وكان سكانها من الطائفة المسيحية لسنوات، ولكن مع الوقت حرف الاسم والآن سكانها جميعًا من الطائفة الاسلامية.(م.ص).
3. فرج بيرقدار :م.س :ص118 العمود الثاني.
4. هناك :ص119 العمودان الأول والثاني.
(عرعرة – المثلث)
