أوباما يدرك أن الأولوية للتعافي الاقتصادي
* إفتتاحية "تشاينا ديلي" الصينية *
أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيرا، النهاية الرسمية للمهمة القتالية للولايات المتحدة في العراق، التي استغرقت سبع سنوات، قائلا إن واشنطن قد اضطلعت بمسؤوليتها و(الآن حان الوقت لطي الصفحة).
وتعتبر هذه إشارة إلى أن إدارة أوباما شرعت في مهمة التخلص من الفوضى السياسية والاقتصادية والعسكرية التي خلفها سلفه.
كان الغرض من غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة شق طريق لأميركا في الشرق الأوسط، وتأسيس (حكومة) استنادًا إلى (مبادئ الديمقراطية الغربية)، والتأثير على التنمية في البلدان العربية. لو أن الولايات المتحدة كانت قد حاولت تحقيق هذا الغرض، لأمكنها أن تنجح في تطوير مصالح أمنها الوطني.
في الظاهر، سحب أوباما القوات الأميركية من العراق، من أجل الوفاء بوعده خلال الحملة الانتخابية، ولكن الولايات المتحدة دفعت ثمنًا باهظا لتورطها في العراق: مقتل أكثر من 4400 جندي، وجرح 30 ألفا آخرين، علاوة على إنفاق مئات المليارات من الدولارات. وهذا الثمن أكبر بكثير مما دُفع أثناء الحربين الكورية والفيتنامية.
لقد شل الإنفاق العسكري الكبير حركة اقتصاد الولايات المتحدة، وأوجد عجزا ماليا ضخما. عندما دخل جورج بوش البيت الأبيض في 2001، كانت الولايات المتحدة لا يزال لديها فائض مالي (حتى وإن كان قليلا). ووقعت إدارة بوش في فخ العجز والدين، مع مضيها قدما في الحرب على الإرهاب.
وتسببت حرب العراق في انقسام المجتمع الأميركي، مع تزايد المشاعر المناهضة للحرب بسبب الركود الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة، والاضطرابات في العراق، وارتفاع عدد ضحايا الولايات المتحدة واستنزاف مواردها الكبيرة، كل ذلك أضاف عبئا ضريبيا باهظا على الأميركيين.
وكان أوباما قد عارض حرب العراق منذ أن كان عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي، الأمر الذي ساعده في أن يصبح أول رئيس أميركي من أصل إفريقي. ولكن بعد توليه مهام منصبه، قرر إرسال المزيد من الجنود إلى أفغانستان، مما أدى إلى تقسيم حزبه الديمقراطي تقريبا.
لذا فإنه في الوقت الراهن، على الأقل، يتعين على أوباما الوفاء بوعده الذي أطلقه في الحملة الانتخابية، وتحويل تركيزه إلى المشكلات الداخلية، وخاصة الاقتصادية. إن حرب العراق لم تستنزف موارد الولايات المتحدة فحسب، بل أيضا شوهت صورتها.
والقوات القتالية الأميركية تخلّف وراءها فوضى رهيبة في العراق، وهو على النقيض تماما مما كان قد أعلنه بوش قبل سبع سنوات عندما قال: إن الولايات المتحدة تحركت من أجل تحسين حياة وسبل معيشة العراقيين. فما جناه العراقيون في الواقع هو مسلسل من الموت والدمار والمعاناة اللاإنسانية.
أضف إلى ذلك أن الهجمات الإرهابية، والعمليات المضادة للجيش الأميركي، والصراعات بين الشيعة والسنة وبين الجماعات العرقية العراقية والأكراد حولت العراق إلى ساحة معارك كبيرة. ولكن ربما أكثر ما يخشاه الأميركيون، هو تدخل قوى إقليمية للتأثير على السياسات في العراق.
ومن المبكر جدًا القول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تعلمت درسا من الحرب على العراق، ولكن على الأقل فإن الكثير من صانعي السياسات ومتخذي القرار في واشنطن قد أدركوا الآن أهمية تغيير استراتيجيتهم الخارجية.
ويدور النقاش حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتراجع، منذ بعض الوقت، ففي عام 2000 شكّل إجمالي الناتج المحلي الأميركي أكثر من 33% من الاقتصاد العالمي، ولكن بحلول 2009 تراجعت هذه النسبة إلى 23%.
أوباما يعلم تماما أن التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة يجب أن يستحوذ على صدارة الأولويات، لأن التدهور الاقتصادي يمكن أن يؤدي إلى تراجع عام في البلاد.
وهذا يعني أنه يجب أن يركز على حل المشكلات الداخلية في أميركا، لا سيما أن عملياتها في العراق (لا تزال لديها قوات هناك) والحرب في أفغانستان، تشكل عبئا كبيرا على الولايات المتحدة، وهي الأمور التي يود أن يتخلص منها لخوض الانتخابات المقبلة.
