عندما وصلتُ عُمر التقاعد واسترحتُ من غبار الطباشير وبقاياها على ثيابي واصابعي، تذكرت فوضى الامتحانات وجمع العلامات وردود افعال الطلاب الذين لم ترُق لهم ملاحظاتي لاعنين حبري الاحمر الذي تركته مصححا عثراتهم. لا تغيب عن بالي قصتي مع العلامات..كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي.. كم وكم نبهتني السكرتيرة سائلة عن العلامات لادراجها في ملفات الطلاب، وكم هاتفني الكثيرون من الاولياء للاستفسار عن نتائج فلذات اكبادهم؟!
كنت امتطي حصان المماطلة والكذب الابيض لأُهدئ من روع السائلين!! في احد الفصول تحولتِ الاحوال وأمسَيت سباقا في تسليم العلامات فسألني مدير المدرسة عن هذا التغيير وهذا التبكير في تسليم النتائج فأجبته مداعبا: لقد انتقلتُ يا سيدي من زمن الخطبة إلى تجربة الزواج.. في الفترة التي سبقت الزواج كنت أهرب من الاوراق للسهر مع خطيبتي اما بعد الزواج فجاءني الهروب من مجالسة زوجتي إلى مجالسة الاوراق ودفاتر الانشاء!
بعد هذه البسمة من ملفي المدرسي اذكر وخزة حدثت غداة الذكرى الثانية ليوم الارض.. دعاني مدير المدرسة طيب الله ثراه إلى غرفته مبتسما وكأنه اراد اخفاء ما تحمل جعبته من وخزات. اخبرني المدير وهو يداعب ورقة امامه ان مفتش المدرسة اليهودي الشرقي ارسل له هذه الرسالة شاكيًا سهيل عطاالله انه وزع منشور الحزب الشيوعي عن يوم الارض في احد الصفوف التي كان يعلمها.. وقبل ان اُقدم استغرابي ودهشتي مجيبا، رأيت المدير يريني رسالة منه للمفتش مفندا ما جاء في رسالته ومؤكدا ان حكاية المنشور حكاية كاذبة ومحض افتراء. اذكر يومها انني والزملاء تحدثنا عن يوم الارض والشهداء في الحصتين الاوليين وذلك بقرار من الهيئة التدريسية ولم نر منشورا أيا كان من هيئة بلدية او حزبية!
من حقنا ان نبتسم وأن نفقأ عيون الواخزين والواخزات والواشين والواشيات المعششين بين ظهرانينا.
هكذا كان جيلنا.. كنا نمارس الابتسامات ونتحدى ساخرين لاعنين خفافيش الاغتيابات من معلمين ومعلمات.