منذ أصبح جسم المرأة مقياسًا لحركة الفن والثقافة والاعلام واشتعال الفضائيات، خرجت المرأة من حالة الأنثى الهادئة الى حالة الهوس الجنوني الذي يجب أن يوضع داخل مربعات كتب عليها تفاصيل الوزن والطول لأنهما قسيمة من قسائم النجاح.
كانت قديمًا بدانة المرأة تدل على الهناء والعز والخير الوفير والدلال، وقد كتب الكثير عن تلك البدانة – لها عجيزة اذا قامت أقعدتها – وصور التاريخ الفني عبر اللوحات المرسومة أبرزت رسومات لنساء افتخرن ببدانة أكتافهن وأثدائهن وأظهرن قيمة أعناقهن ذات الطبقات العدة، وما زالت الأفلام التاريخية الأجنبية تظهر النساء بأثواب تتميز بإرداف سمينة عالية، حيث كانت تقوم المرأة التي لا تملك البدانة المطلوبة للإغراء على حشو الأرداف بأشكال عديدة، أبرزها شكل الوردة.
منذ بداية الستينات وهناك غارات جوية، قادمة من عالم الأزياء فيها التمجيد الكامل للمرأة النحيفة، وكثرت هذه الغارات مع انطلاق الفضائيات التي تحولت الى زوايا ومدارات تهتم بأجساد النساء وأشكالهن، مع تخصيص قنوات وبرامج تعتني فقط بالمحافظة على الوزن وعلى عدم الاقتراب من البدانة.
سمعنا مئات القصص الكثيرة عن هروب الأزواج من الزوجات البدينات، وعن الأمراض التي تغزو الأجسام نتيجة البدانة، لكن أن تصبح البدانة تهمة وجريمة يستحق عليها الطرد والفصل فهذا من نتائج النظرة السيئة لعالم المرأة المكسو ببريق الجسد، بعيدًا عن شخصيتها.
فقد قررت رئيسة التلفزيون المصري "صفاء حجازي" إيقاف ثماني مذيعات في التلفزيون المصري عن العمل بسبب زيادة أوزانهن، حتى يتبعن نظام غذائي ينقصن به هذه الأوزان، لا نعرف هل خافت رئيسة التلفزيون من ثورة الجياع في مصر، لأن البدانة قد تكون دلالة على وفرة الطعام لهذه الطبقة؟
ان قرار إيقاف المذيعات هو فتح أبواب الحرب على البدينات، وبرقيات تُرسل للنساء: أي على البدينة البقاء مكانها، حتى يصبح وزنها مقياسًا لقبولها في العمل، لا يهم عقلها، تفكيرها، قدراتها، ثقافتها، شخصيتها، المهم أن لا تكون بدينة.
بقدر ما هذا القرار فيه الاجحاف بحق عقل المرأة وقدراتها العلمية والعملية، فيه غباء ونظرة سطحية الى عمل وموقع المرأة، وتصديق لجميع الفضائيات التي تهرول وتضع البرامج التي تقدمها المرأة بشكلها – الباربي – حتى أصبحت جميع مقدمات البرامج في الفضائيات العربية ذات الشكل والملامح والشفاه والشعر والأسنان والخدود والمكياج – على رأي غوار - شعب واحد فحص واحد أو مذيعة واحدة الآن - لقد أصبحت عندنا وحدة أنثوية على الصعيد العربي. وبأشكالهن المستعارة والمستعانة بعمليات التجميل، لم يعد لقول الفيلسوف أفلاطون "تكلم كي أراك" مكانًا في الزمن المستعار.
لقد أطلقت وسائل الاعلام على هؤلاء الاعلاميات "حزب شجرة الجميز" و "حزب الأكس لارج" و "فتيات بكابوظا – كلمة مصرية سخرية معناها البدينة".
في المقابل لم نجد الاحتجاج والتذمر والفصل، حين يخرج الينا رجال سياسة بكامل البدانة، يلطخون الشاشات برؤوسهم الكبيرة وكروشهم وأكتافهم العريضة، عدا عن كذبهم ونفاقهم وتصريحاتهم ومؤامراتهم، وسياساتهم الفاشلة، يشعلون الحرائق، ويدمرون الحياة، دون أن نجد من يحتج ويطالب بعدم بث أخبارهم لأن بدانتهم تؤثر على المشاهد العربي.
اذا كان على المرأة أن تقف على الميزان يوميًا كي تؤكد لمشغلها أنها تستطيع العمل، وتستطيع التفكير والإنتاج، وأن تقدم فروض الهلع حين تجد وزنها قد ازداد ليس من منطلق الحفاظ على صحتها بل الحفاظ على مكانتها، نطالب أيضًا الرجل في مكان عمله، خاصة الذين يعملون في المجال السياسي، أن ينظروا الى جسامهم التي تظهر - ظهرت – عليها آثار نعم الفساد والرشوات والاختلاسات وبيع كل شيء حتى الأوطان وترهل الاستسلام، عليهم أن ينظروا الى وزراء الدفاع والضباط العسكريين الذي من المفترض أن يملكوا الرشاقة والأجسام الرياضية، لكن نراهم عبارة عن كتل من الشحوم والدهون، تتحرك في المناسبات الوطنية، حيث ترتفع قامتهم من فوق تلال الكذب والخداع.
أثناء كتابة المقال.. كان التلفزيون المصري يبث حفلة قديمة لأم كلثوم، ظهرت على جسدها ووجها السمنة والبدانة، السؤال هل سيأتي اليوم الذي سيمسحون به تسجيلات أم كلثوم أيضًا..؟!
