حدَّثني أخي وصديقي عن مقولة شهيرة لوزير الإعلام الألماني النَّازي في عهد هتلر (عدو الإنسانيَّة)، بول غوبلز: "إكذب إكذب ثم إكذب فلا بدَّ أن يعلق في آذان النَّاس بعضٌ من هذا الكذب". فقد ظلَّ يكذبُ ويُضلِّلُ ويُسَوِّفُ "ويُسَيِّفُ" والنَّاس تصدِّقه إلى أن هوى زعيمه في قصره، في قبو الفوهرر، منتحِرًا أو مقتولا والقصص تختلف حول نهايته، لكنَّ نهايتَهُ قطعت قولَ كلِّ خطيب، وظهر الباطلُ الزَّهوقُ، وحَصْحَصَ الحَقُّ.
وتكثر الأمثلة المشابهة في الكذب، كروايات أحمد سعيد، مذيع صوت العرب خلال نكسة الوطن العربي، التي كان ينسجها من وحي خيالهِ، ويدعو سمك البَحر أن يسعدَ من ولائم لحوم اليهود ويصوِّر "جبروت العرب" وانتصاراتهم الوهميَّة وكان شعبنا يُطرَدُ من وطنِهِ وتُغتصبُ حرماته من أرضٍ وعرضٍ وبشرٍ وحجرٍ وشجرٍ ومن بعدها كانت أكاذيب وزير الإعلام العراقي محمَّد سعيد الصَّحَّاف في عهد صدَّام حسين حيث كان يُصوِّر لنا هزيمة العلوج الأمريكان الحتميَّة، بالصَّوت دون الصُّورة، بينما كان يُفتِّش هو وغيره عن جُحر ضبٍّ يختبئون فيه، بعد أن كانوا ذوي سلطة وسطوة، وهكذا استمرُّوا في أكاذيبهم حتَّى ضلُّوا، وقد جاء في الحديث: "..احذر الكذبَ فالكذبُ يؤدِّي إلى الضَّلال..".
لقد سقطت النَّازيَّة بفضل المقاومة المحليَّة التي ضحَّت بكلِّ ما تملك إلى جانب الدَّعم السُّوفييتي الكامل، الذي قدَّم عشرات الملايين من الشُّهداء لخلاص الإنسانيَّة من هذه الطَّاغية، وفي المثال الثَّاني سقط الدَّجَّال أحمد سعيد وهُزِمت الجيوش العربيَّة وكذلك كان نصيب الصَّحَّاف والعراق الهزيمة والمأساة التي ما زالت شعوبنا تعيشها "على جلدها".
إنَّ وسائل الإعلام اليوم تحاول أنْ تُخبِّئ معها بيضة القبَّان، فهي تجلس عند دفَّة السَّفينة وتحرِّكها كما يحلو لها وتبيع بضاعتها بالسِّعر الذي تريده وما علينا إلا تحضير أيدينا لتمتدَّ إلى جيوبنا وتنتشلَ دراهمنا للدَّفع وشراء البضاعة بالسِّعر المفروض، دون أن نتبيَّن حقيقة السِّلعة وتاجرها وصدقه وعدالته والسُّوق الذي يسوِّق منه ونوعيَّة البضاعة ومن أين له هذا.
قبل أن نَحْكُمَ على نبأٍ سمعناه، علينا ألا نَحْتَكِمَ إليه، بل علينا أن نَحْتَكِمَ الخبرَ وأن نعرفَ مصدرَه وصدقَه فلا يجوز أن يكون مصدر أخبارنا "أهل الفسق"
والتَّزوير والكذب و"المعط" وقد جاء في الآية الكريمة:?..فَإذا جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى ما فَعَلْتُمْ نادِمِين?.
لذلك علينا قبل نشر الخبر وتصديقه ونشره ليقرأه قرَّاؤنا أن نتروَّى حتَّى نُحافظ على مصداقيَّتنا ونزاهتنا ويكون أداؤنا أفضل، فقد قال الخليفة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): من حذَّرك كمن بشَّرك.
(حيفا)
