اللهمّ احفظهم لي

single

ميعارالمهجرة الباقية



بارك الله عليّ بعدّة نعمٍ، فنعمه سبحانه كثيرة لا تعدّ ولا تحصى.أعظمها أنّي ولدت ببيتٍ فلسطيني، جليليٍّ، ميعاريٍّ، كابوليٍّ، لم أتربَّ فيه على التّفرقة ولا على العنصريّة، ولا حتّى على كره أيّ أحدٍ،أو عن التّنازل والخضوع للظّالم المضطّهد.
منذ نعومة أظفاري وأنا أصول، أجول، أسمع، أتعلم، وأنصت لأفهم. فكان جدّي لي وكنت منه!  كان وما زال الجدّ، الأب، المعلّم، المعلم والعلم. كان بيتُه المدرسة الحياتيّة الّتي منها نشأت لأصبح ما أنا عليه الآن،كانت مدرسةً للحياة ترسخ في انتمائي لوطني وشعبي وتطور وتحافظ على أسمى معاني الإنسانية في التعامل مع النفس والآخر،مع المشابه والمختلف،مع الأخ والصديق والعدو والرفيق.
 تربيّت على حبّ شعبي ونصرته.. تربيت على أن أبقى منتصب القامة ومرفوع الهامة.. تربيت على نهج الحياة الفلسطينيّة الطّبيعيّة، تمتزج تلك الحياة بين فرحٍ وحزنٍ، بين هزيمةٍ وانتصار، بين حياةٍ ونكبةٍ!  تربيت على أسسٍ فلسطينيّةٍ تغلبها البساطة.. تربّيت على إرادةٍ أبت أن تزول، وعلى كرامةٍ لن تزول!  كبرت على تراتيل مناقيش جدّتي المغنّى بالزعتر ا لميعاريّ والزّيت البلدي الجليليّ.. كبرت على قصصها الشّعبيّة وعلى ترانيم الغناء القروي، وفي الوقت ذاته بتّ أقرأ في تجاعيد وجهها وتشققات كفّيّها حكاياتٍ وقصصًا مرّ عليها زمانٌ عصيبٌ غابرٌ من نكبةٍ وتهجيرٍ إلى معركة أرضٍ وهويّةٍ تعلّمت منها رجولة أنثى أعتقل زوجها عدّة مرّاتٍ ظلمًا،مرةً على هتافٍ في مظاهرةٍ ألهب الناس وأربك الشرطة، ومرة على قصةٍ في كتابٍ تروي مأساة شعبه ونكبته،ومرة أخرى على رأي أبداه في حصصٍ ناصحًا للجيل الصاعد من أبناء شعبه فتناقل حديثه أبناء الحلال في "الشين بيت" حتى أوصلوه إلى "الخواجا" رئيسهم فاستدعاه مهددًا متوعدًا.
كل يومٍ معهم هو درس من دروس الحياة، كلّ يوم يجمعني بهم هو هبة الرّحمن! 
حدث أن كنت جالسًا بجانب جدَّيَّ- أطال الله بعمرهما- لأطمئن عليهم بعد حادث سيرٍ صغيرٍ قد مرّا به، وإذ بمدامعها تفيض وصدى آهاتها يخترق مسامعي؛ جفلت وجدّي، ولكنّها لم تفسّر دموعها إلّا بكلامٍ يتأرجح القلب فرحًا لسماعه: "لا يا جماعة الخير، لم يصبني أي مكروهٍ، فقط تخيلت لو أن الله - لا سمح الله- أخذ عمرنا، فكيف أولادي وأحفادي سيتدبرون حالهم وكم سيتغلبون بهذا البرد القارس".. بعد هذه الجملة فليسقط كلّ الحب والحنان، فلتسقط كلّ العواطف، فلا عواطف أو حب أو حنان ترنو من مشاعر وعواطف وطريقة تفكير كهذه.
 كبرتُ واهتمام الجدّ يفوق كلّ اهتمام، هو الاهتمام على جميع أشكاله: الحياتيّ، التعليميّ، الوطنيّ.. ترعرعتُ، وحبّ الحياة والوطن تعلمته منه، فهو الموفق والموفق،هو المعلّم والمدرسة،هو كلّ ما تحتاجه الحياة. تعلّمت من حبر قلمه صمود الحياة، من كلمات قصصه ثبات الموقف، ومن مقالاته الإنسانية، الوطنيّة والمسؤوليّة. فكيف أشفى من حبّ كلماتك وأنت القائل: "أنا باقٍ هنا باقٍ،وباطل الأباطيل باطلٌ".
أنتما نعمة الحياة،أنتما صاحبا تلك الابتسامة الآملة المتفائلة في أصعب اللحظات مترافقة بقولك يا ستي: "ما بعد الشدة إلا الفرج".
أنتما ابتسامة الحياة، أنتم الحياة بالحياة. فلتحفظ يا ربّ أفضل نعمك، اللّهمّ احفظهم لي.. أدامكما الله لي ولنا ولوطننا وشعبنا! 




(كابول- جامعة تل أبيب)

قد يهمّكم أيضا..
featured

النظرة الشمولية لطب المجتمع وتداخله مع بقية العلوم (1-2)

featured

سميح القاسم: الصوت الصادق المكافح والمقاوم

featured

ستبقى "الاتحاد" صوتا يجلجل في سماء المشرق دفاعًا عن الشعب والوطن

featured

لا يصحّ إلّا الصّحيح

featured

انفجار كذبة "القدس الكبرى"!

featured

انتصار الأسرى وإرادتهم ونضالهم

featured

لتذويت عبَر الحرب