كانت الوحيدة في ليل المؤامرة، ثُلاثة الاضلاع والأبعاد، الحركة الصهيونية المرتبطة، الرجعية العربية المرتبطة مع الاستعمار البريطاني ثم الأمريكي. هؤلاء التفوا على الشعب والوطن الفلسطيني. كان ذلك في سنوات الأربعينيات من القرن المنصرم. كانت هذه السنوات تحمل في طياتها المآسي والويلات والنكسات ليس للشعب الفلسطيني وحده فحسب وإنما للقارة الأوروبية والعالم اجمع – خرج المستعمرون الجدد منها ما بعد الحرب العالمية الثانية يقسمون العالم كما يحلو لهم، ثم ابتيع الوطن الفلسطيني للحركة الصهيونية، بتآمر وتنسيق بل بمشاركة الرجعية العربية أحفاد بريطانيا الهرمة في المشرق العربي. بالمقابل بدأت الحركات التحررية للشعوب تأخذ مكانتها على خارطة الصراع الجديد في رسم الصورة العامة للمنطقة ومستقبلها.
فيما كان شيوعيو هذه البلاد قد سبقوا غيرهم بسنوات في حمل راية الكفاح التحرري والقومي والطبقي ضد هذا الثالوث الدنس. وفي يوم 14/5/1944 انبعث الصوت الكفاحي النضالي الاممي الشيوعي الذي أخذ يجلجل في سماء المشرق كاشفًا حجم المؤامرات الجديدة التي كان يحيكها آنذاك وما زالت اليوم الا وهي الصهيونية والرجعية والاستعمار على الأمة والشعب والوطن الفلسطيني والعربي عامة. زينت جبينها باللون الأحمر وفي الأعالي جلس وتربع شعار "يا عمال العالم اتحدوا" للدلالة على الهوية الفكرية والسياسية لهذه الصحيفة والقائمين عليها أي الشيوعيين في هذه البلاد. لقد حاول المستعمرون الانجليز وأعوانهم من الرجعيين والصهيونيين الحيلولة دون إصدار صحيفة "الاتحاد" بكل الطرق والأساليب الجائرة ولكن دون جدوى. وانطلقت "الاتحاد" بكل فخر واعتزاز تنشر المبادئ والأفكار الشيوعية كالخميرة في العجين بين العمال والفلاحين وسائر جماهير الشعب. إن انحياز الاتحاد منذ اليوم الأول لصدورها إلى جانب الشغيلة والفقراء والمواطن والوطن وضد الاستعمار والرجعية وضد الاستغلال الرأسمالي العربي والأجنبي، وان مصلحة العامل اليهودي وهو أخ للعامل العربي والأجنبي على أساس وحدة العمال من جميع الشعوب والقوميات والأمم هي وحدة أممية طبقية موجهة ضد عدو الجميع ألا وهو الرأسمالي المستغل الجشع من كافة الأمم والجنسيات والشعوب.
- مدرسة للتربية الوطنية وصحيفة شعب بأكمله
إن مسيرة "الاتحاد" وخلال سنوات انطلاقتها، قد واجهت الكثير من المصاعب والمؤامرات والمحن، تمثلت بمحاولات إغلاقها بأوامر عسكرية بريطانية وإسرائيلية وعربية، وهذا كان يهدف بداية إلى أصحاب الجريدة أي الحزب الشيوعي من خلال اعتقالات وحرمان ونفي واضطهاد وغيرها، بهدف شل القدرة الفكرية والسياسية لمواصلة إصدار "الاتحاد". والأمر الآخر وهو التحريض على الجريدة وأصحابها بين فقراء الشعب وبسطاء الناس باتهام الشيوعيين وجريدتهم بالكفر والإلحاد ومعاداة الدين والديانات السماوية، وان أفكارهم ما هي الا سموم تناصر الاستعمار وتدعو إلى تقسيم البلاد ولا تبالي بالمواطن والوطن وحقوقه اليومية والقومية. ان هذا الطرح المعكوس أساسًا شكل بداية وحالة من الارتباك بين الناس، وانه لا بد من معرفة الحقيقة، عندها اخذ الناس يطلبونها خلسة من الشيوعيين، وكانت النتيجة معاكسة تمامًا، فالناس رأوا في جريدة "الاتحاد" منبرًا صريحًا وصوتًا مكافحًا شامخًا مجلجلا من اجل قضاياهم اليومية والقومية ضد الاستغلال ومع العامل والفلاح والمثقف إلى ان تحولت مع مرور الوقت إلى منبر شعبي جماهيري في مواجهة سياسة السلطة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية والزراعية وغيرها.
إن من يحمل هموم المواطنين اليومية وقضايا الأرض والمسكن والوطن لا بد وان يكون في المواجهة الأمامية واليومية ضد سياسة التمييز والاضطهاد والحرمان التي تتبعها حكومات إسرائيل المتعاقبة. والاتحاد كانت في مواجهة مستمرة مع آلة القمع والحرب والعدوان تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في أرضه وعلى وطنه والشعوب العربية عامة. لقد حاولت إسرائيل منذ إقامتها، ان تجرد هذا الجزء الحي والنشيط من الشعب الفلسطيني الصامد في وطنه من وطنيته وإنسانيته وان تقطع الفرع من الشجرة. لكن هذا الجزء ومعه الشيوعيون وفي المقدمة صحيفة الاتحاد القلب النابض بالكفاح والموجه والمحرض ضد الظلم ومع المظلومين، من ان السير في خندق النضال هو اشرف بألف مرة من الانسياق والسير مع الحيط الواقف، ألم تحاول السلطة ان تجعل من جماهيرنا العربية في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم حطابين وسقاة ماء؟ ألم تحاول نشر سياسة العدمية القومية بين شبابنا العرب وهي تحاول اليوم فرض ما يسمى بالخدمة المدنية/الوطنية. وعلى امتداد السنوات الطويلة من عمر "الاتحاد" فقد كانت الصحيفة الوحيدة والرائدة في معركة العلم والثقافة وحق شبابنا في تلقي العلم واكتساب المعرفة، وعندما أُقفلت الجامعات في وجه الشباب العرب، فتحت "الاتحاد" والحزب الشيوعي ابواب الجامعات امامهم في الدول الاشتراكية سابقًا، كي ينهل أبناؤنا ما لذ وطاب من مواضيع العلم والمعرفة. ونهضت جماهيرنا ومعها الشيوعيون الأوفياء والمنبر الوطني الاممي "الاتحاد" من تحطيم سياسة العدمية القومية ومقولة حطابين وسقاة ماء ليتحول إلى شعب متكامل وحضاري ينشد السلام العادل وأخوة الشعوب متمسك بالمثل العليا التي كافح سنوات عديدة لأجلها.
- وردة للشعب وشوكة لاعدائه
إن حزب الاتحاد أي الحزب الشيوعي في هذه البلاد، هو حزب متأصل وذو جذور ضاربة في عمق الوطن والشعب وخاصة الفئات الواعية والثورية التي تسعى إلى تغيير واقع الحياة إلى الأفضل، والاتحاد والحزب هما وحدة كاملة فكريا وسياسيا وتنظيميا، والطبيعي ان تسعى الاتحاد مع الحزب من خلال المعركة الإعلامية والسياسية والطبقية إلى المواجهة مع السلطة وسياستها الرامية إلى تفكيك وحدة الشعب بهدف تمرير مخططاتها في قضية الحقوق اليومية والقومية. فللاتحاد دور أساسي في تحريك وإلهاب الناس دفاعًا عن قضاياها. فالقضايا المطروحة بالذات المعيشية منها تستحوذ على حيز كبير من عمل الحزب والاتحاد معًا. ولان الاتحاد هي المدافع الأمين عن مستقبل الشعب بكل ألوانه وطبقاته، فهي الوحيدة التي تحمل وتنظم العمل وتدفع إلى المواجهة مع الغاصب والمستبد من اجل الحرية والتغيير والمستقبل الأفضل. ولهذا كله حصلت الاتحاد على وسام الشرف الشعبي الجماهيري بأنها وردة للشعب وشوكة للأعداء. على ان اليد التي تمتد على الشعب وحقوقه تقطع في الحال. فان حقوق الشعب اليومية والقومية هي حقوق مقدسة من وجهة نظر طبقية حزبية، والواجب علينا ان نرى بان الشعب بكل شرائحه والاتحاد كمنبر ونهج والحزب الشيوعي بفكره القومي هم أساس الصراع، ومن الواجب صيانة هذه الأضلاع الثلاثة في أي مواجهة مع السلطة ورأس المال، ومكونات الاضطهاد والتمييز.
من الواجب ان نُحيِّي الحزب الشيوعي وكذلك جريدة الاتحاد وكل العاملين من محررين وإداريين وموزعين وأقلام كتاب وشعراء وصحافيين وغيرهم، هؤلاء هم أصحاب الجريدة، فهنيئًا لنا ولشعبنا على هذه الصحيفة المباركة. قد يرى البعض بأنها مناسبة أو ذكرى عادية مستمرة عبر عشرات السنين، ولكن الصحيح والواقع هو ان نصون صوتا وخطا كفاحيا ثابتا وان تتجاوز كل حقول الألغام، وفيما بعد تتحول إلى صوت يومي منذ حوالي 30 سنة خلت، فهذا انجاز ثوري له أبعاد هامة وكبيرة. ان تبقى الاتحاد لفترة 67 عامًا من الصدور مع كل صباح، وهي قابضة على جمرة ولهب الحرية والدفاع عن المظلوم في وجه الظالم.
ستبقى الاتحاد تصدر مستقبلا طالما بقي الزعتر والزيتون ينبت في أحضان الوطن الذي لا وطن لنا سواه، ولا اتحاد لنا سواها.
وعلى طريق الاتحاد دومًا.
(كويكات/أبوسنان)
