حول الصراع الطبقي والنضال القومي من اجل المستقبل العربي المنشود

single

طالما كانت الجماهير الواعية المنتظمة في احزاب وطنية، وقومية واشتراكية هي الادوات القادرة على صنع التاريخ، فان هذه العملية الصعبة تحتاج الى ما يجعل بالامكان تحقيقها، وهذا يحتاج الى ان تصبح الجماهير واعية لذاتها ومدركة لمصالحها واهدافها، وقادرة بالتالي على النضال من اجل النجاح في تحقيق ذلك. وهذا يحتاج ايضا الى تكامل العلاقة بين الجماهير وحزبها العقائدي الذي يمثل مطالبها. والحزب العقائدي القائد للجماهير يحتاج للقيادة السياسية المؤهلة والحكيمة. فلقد انهارت وفشلت نضالات عديدة لم يتوفر فيها ولها ما يلزمها من قيادة مؤهلة، وتنظيم ثوري والتلاحم المطلوب بين الجماهير صاحبة المصلحة بنجاح المشروع الثوري.
فان التلاحم القوي والمنضبط بين الجماهير، والحزب والقيادة ينتج علاقة متكاملة تترابط عناصرها، وتجعل التنظيم السياسي الحزبي قادرا على الاستمرار والنجاح في صنع التاريخ الماجد والمشرف، وتحقيق الخيار المطلوب تحقيقه وجرى النضال من اجله، وتحقيقه يصب في صالح الجماهير الكادحة التي تؤلف الاكثرية الساحقة من المواطنين في كل الشعوب والدول.
ولقد اثبتت الاحداث النضالية في عصرنا وزماننا، انه توجد علاقة ضرورية لا استغناء عنها بين القيادة المؤهلة والحكيمة، وبين النضالات الهامة التي سداها ولحمتها الجماهير المنخرطة بالنضال المطلوب والمتعدد الوسائل، والقائم على ارضية الوحدة الوطنية لابناء الشعب المنخرطين بعمل متواصل لتحقيق النجاح، ولافشال مشاريع الهيمنة الامبريالية، والاطماع التوسعية الصهيونية ومؤامرات ومخططات المنحرفين والانهزاميين.
وبخصوص  النضال لتحرير الاراضي العربية المحتلة، وتحقيق السلام العادل المتوافق مع الشرعية الدولية وقرارات منظمة الامم المتحدة، وبنفس الوقت تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، لا استغناء لنا نحن العرب اجمعين عن الانخراط في النضال القومي الوحدوي وتحقيق المصالح الجماهيرية بموجب العقيدة الاشتراكية. نعم فان الالتقاء تحت راية واحدة، والتحام نضالنا القومي الوحدوي، مع النضال من اجل تحقيق مصالح وحقوق الشعب وجماهيره الكادحة، والانعتاق والتحرر من الانظمة العربية الاقطاعية والرأسمالية، والاسر الملكية الغارقة في بحر الولاء للامبرياليين عامة وللولايات المتحدة الامريكية خاصة المحتضنة للمشروع الصهيوني منذ تأسيسه الى يومنا هذا كاحتضان الوالدين لاولادهما. نعم والف نعم من اجل تحقيق المصالح العربية عامة ومصالح الجماهير الكادحة خاصة. لا بد من الانعتاق والتحرر من حكم الاقطاعيين والرأسماليين في بلادنا العربية ومن ثقافتهما الرجعية والاستغلالية. وهذا لا يتم ولا يمكن انجازه بنجاح تام، بدون النضال الجماهيري الطبقي الذي سداه ولحمته العمال، والفلاحون والفقراء عامة، وتحت راية الاشتراكية العلمية، والاحزاب العربية الماركسية والوحدوية.
وما دامت حركة التاريخ والقوانين التي تحكم تطور المجتمعات واحدة، والعدو الذي يعرقل عجلاتها وسيرها واحدا بالمحصلة الاخيرة، وهو الامبريالية والصهيونية والرجعية، فان هذا يحتّم التقاء وتوافقا بين النضال القومي الوحدوي والصراع الطبقي. ولا ينكر هذا الالتقاء والتوافق، الا البسطاء والساذجون سياسيا، وغير المهتمين بمصلحة وكرامة امّتهم وبلادهم. اعني بهؤلاء، الذين ينظرون لحركة التاريخ بما يلائم مصالحهم الشخصية الاستغلالية والطبقية فقط.
فان المشاعر الوطنية، والرابطة القومية لا تنفيان الانقسام في الامة بين مستغِلين ومستغَلين أي بين المضطهِد والمضطهَد. لذلك فان مهمة القضاء على انظمة الحكم الرجعية والاقطاعية والرأسمالية، كأنظمة مستغلة للجماهير العمالية والفلاحية ولكافة الفئات الشعبية الكادحة، تعتبر مهمة ثورية وانسانية واخلاقية عظيمة الاهمية. وتحقيقها يثمر العدالة الاجتماعية  والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وينمّي الشعور الاخوي الصادق بين المواطنين.
نعم فان ابتلاء الشعوب بمعضلة الفوارق الطبقية، أي وجود طبقة الاثرياء، وطبقة الفقراء في الوطن الواحد، والبلدة الواحدة، والحي الواحد واستغلال الاغنياء للفقراء مع انهم هم الاكثرية في كل الشعوب والبلدان، هو اساس الشقاء ومنبع البلاء والداء المسبب للبغضاء، ولاهتراء العلاقات الانسانية بين ابناء الشعب الواحد، والبلد الواحد. نعم فان  وجود طبقة مالكة للثروة وللسلطة الحاكمة التي تصوغ القوانين والتشريعات حسب مصالحها وعلى حساب الجماهير الكادحة المؤلفة من العمال والفلاحين وصغار التجار والموظفين والحرفيين على اختلاف مهنهم التي يعتاشون منها عيشة بسيطة متواضعة هو مبرر مشروع بكل معنى الكلمة، لاعتناق الاشتراكية العلمية الماركسية التي تتميز عن غيرها بايمانها الراسخ بواجب النضال الطبقي الجماهيري لانتزاع السلطة السياسية من قبضة الرأسماليين والاقطاعيين والحكام الرجعيين  الذين يسخّرون ابناء الطبقات الفقيرة لخدمة مصالحهم المادية  والمعنوية، التي تزيدهم توحشا وابتعادا عن الاصالة الانسانية والاخلاقية بكل مستوياتها ومعانيها.
هذا والصراع السياسي الطبقي ليس غاية بل وسيلة ثورية انسانية من الدرجة الاولى، خاصة في بلداننا العربية ووطننا العربي الكبير، الذي غالبية انظمته وحكوماته هي في قمة الانظمة الرجعية، وعلى رأسها ملوك وامراء ومشايخ ورؤساء والاكثرية منهم ليسوا على مستوى المسؤولية التي في أديهم. وضررهم اكثر بكثير من نفعهم. وهم والموالون لهم "يفتون" بان الفكر السياسي الطبقي الذي يخدم مصلحة العمال والفلاحين والكادحين والفقراء على مختلف انواع الاشغال التي يعتاشون منها، بانه "فكر سياسي اجنبي مستورد ومضاد لمعتقداتنا وتقاليدنا".
فيا للاسف الشديد كم هؤلاء الحكام شجعان على شعوبهم وضعفاء الشخصية امام الحكام الاجانب الذين لا يضمرون الخير لبلادنا ولقضايانا العربية العادلة. ومع ذلك يتعامل معهم الملوك والامراء العرب والعديد من الرؤساء كذيول واتباع، مع ان اخلاقنا العربية الاصيلة لا تبيح ذلك لهم وهي تنهى عن التذيل والتبعية للاجانب والطامعين بالسيطرة على بلادنا. بمختلف الاشكال التي تمكنهم من ذلك وتخدم مصالحهم الامبريالية.
هذا وفي ظروف مجتمعاتنا العربية التي لم تتخلص بعد من وجود الاقطاعيين والزعامات العشائرية والقبلية، فان التفكير الثوري الطبقي كأداة للتغيير المنشود لم يتبلور بعد في مجتمعاتنا العربية ويأخذ المكانة التي يستحقها، بل لا يزال مجهولا في اكثرية مجتمعاتنا من الخليج العربي حتى المحيط الاطلسي. وذلك بسبب الافتقار للثقافة الثورية الماركسية، وبسبب غياب النهضة الصناعية المحتاجة لملايين العمال الصناعيين الذين يمتازون عن غيرهم من العمال العاديين بالانتماء للنقابات والتنظيمات الحزبية الثورية والتقدمية التي تسهم في توعيتهم وتثقيفهم سياسيا وعقائديا وتؤهلهم لقيادة النضال الطبقي في القطاع الصناعي الذي يعملون فيه وفي مجتمعاتهم بشكل عام.
زد على ذلك ان طبقة الفلاحين رغم اتساع وجودها في الارياف العربية فهي لا تزال محدودة العلم والثقافة السياسية ومفتقرة الى التنظيم الحزبي الثوري الذي يؤهلها للمشاركة الفعالة في جبهة النضال الطبقي وإحداث الزخم المطلوب لتسريع عجلات النهضة السياسية التقدمية في مجتمعنا العربي.
هذا واحزابنا الشيوعية العربية، اخطأت في تأخرها طويلا عن الخروج من القوقعة القطرية والتعامل مع المشروع السياسي القومي الوحدوي الذي يسعى لاتحاد العرب في دولة واحدة، كذلك الاحزاب العربية التي تبنت الاشتراكية مع المشروع القومي الوحدوي ولم تتسلح بعقيدة الصراع الطبقي الماركسية ولم تعمل بموجبها بل وقفت قريبا منها ومنشغلة في تثبيت وجودها القطري بدون ان تندمج في حزب واحد له امتداد فعال في الاقطار العربية الاخرى.
اضف الى ذلك انه لم تتشكل  حتى الآن جبهة سياسية قومية تقدمية ممتدة في الوطن العربي الكبير. وهذا الواقع اضعف المشروع العربي الوحدوي كحلم وطموح هام يستحق بذل الجهد المطلوب لجعله حقيقة ملموسة، خاصة لان الشعور القومي لدى الانسان العربي موجود دائما في قلبه وضميره ووجدانه، بنسب متفاوتة بين انسان وآخر. لكنه موجود لدى الجميع ان كان الشخص العربي متعلما او اميا فهو يشعر بذلك بالفطرة. والدليل على ذلك انه يفرح باي انجاز عربي ايجابي وهام. ويحزن ويغضب اذا حلت كارثة ومصيبة باي بلد عربي. وقد اتيت على ذكر ذلك للتذكير باهمية مطلب الوحدة العربية ايها الرفاق الماركسيون والثوريون واليساريون. فاذا شئتم التقدم والانتصار لا تكتفوا بالنضالات القطرية، فكما ان الطائر لا يطير بجناح واحد فانتم ايها الرفاق تحتاجون ايضا لجناحين أي للنضال القطري والوحدوي بنفس الوقت. الرفاق الشيوعيون الفيتناميون لم ينتصروا على الجيش الامريكي بفضل بطولاتهم فقط. بل ايضا لانهم اعلنوا انهم ضد تجزئة فيتنام الى دولتين شمالية وجنوبية وان وحدة فيتنام مطلب استراتيجي ورئيسي لهم، وناضلوا من اجل وحدة فيتنام من جديد. فعبر ذلك عن ارادة الشعب الفيتنامي خير تعبير، فانضم اليهم باكثريته الساحقة. وبذلك تم ارغام الامريكان على الهروب من جنوب فيتنام، وتم توحيد فيتنام من جديد تحت العلم الاحمر وبقيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي.

 


(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

رفض الواقع المعيش مهمّ، والأهمّ ...

featured

تحرك وطني ضد بيع الأوقاف

featured

سرُّ بيتنا القديم.!

featured

"الشُّيُوعِيَّة خَمِيرَةُ الأَرْض"

featured

تحديات فنزويلا بعد شبه التعادل

featured

مبروك للشعب وطبقته العاملة

featured

فيدل كاسترو، خمسون عاماً أمام شدقي الوحش الأمريكي

featured

النخبة السعودية الحاكمة ترقص على فوهة بركان