أمِس كان آخر أيام بيتنا القديم..
قرَّر أبي هدمه كي يبني مكانه بيتًا جديدًا.. سيقيم فيه أخي، بعد زواجه القريب..
و أخيرًا عرفنا السِّر المدفون فيه، منذ سنوات طوال.
إثنان كانا يعرفان هذا السر.. جدّي والبيت القديم.
تجمع أهل الحارة.. والحارات المجاورة، أثناء عملية الهدم، آملين أن تنكشف لهم بعض من أسراره.
لعبنا، نحن أطفال الحارة، حوله ولم ندخله..
قال لنا الكبار، ان جِنيّة تسكنه.. ولم يدخله أحد،منذ أن تركه جدّي، وانتقل ليقيم معنا، بعد ان توفيت جدّتي.. بذل والدي جهدًا مضنيًا، حتى أقنعناه بتركه.
ولم نره يدخله بعد ذلك..
وتأكدنا من وجود الجنيّة في البيت، عندما حاولت جرارات الدولة اقتحامه من أجل هدمه، وفتح شارع للمستوطنة، التي بنوها فوق بلدنا على قمة الجبل.
تقدَّم الجرار الأول من البيت، وعندما أصبح على بعد أمتار منه، تجمَّد مكانه كأنه صخر غشيم، لم يتحرك الى الأمام شبرًا واحدًا، وكل محاولات سائقه والفنيين،الذين استدعاهم لمساعدته في تحريكه، باءت بالفشل.
استدعوا جرارات أخرى، فحدث لها ما حدث للتي قبلها..
كان جدّي يراقبهم، وابتسامة سخرية، ترتسم على شفتيه
وبعد انساحاباتهم المتعددة خائبين، كان جدي دائمًا يعلق قائلًا : "هذا بسبب الجَعّارة..! "
وعندما سألته، من تكون الجعّارة هذه، وماذا يعني بهذا القول، سكت وانسحب الى غرفته، التي لا يخرج منها إلا نادرًا.
وعشنا مع جِنيّة البيت في سلام – هي في بيتها لا تخرج منه.. ونحن لا ندخله !
قبل ان تفارقنا جدّتي، حكت لي قصصًا كثيرة، عن جدّي في أيام الثورة.
إحداها عندما أنقذ عشرة ثوار، كانوا محاصرين على الجبل.
ركب فرسه، وتناول بارودته، وطار الى الجبل المقابل، وبدأ بإطلاق النار باتجاههم، متنقلًا من موقع الى موقع، كي يظنوا ان الثوار،استطاعوا التسلل،الى الجبل المقابل، فركبوا سياراتهم،واسرعوا باتجاه الجبل،الذي أطلق منه النار.
وبذلك انقذ الثوار، الذين انسحبوا آمنين.
أما هو فغادر المكان مسرعًا، ودخل بيته، واختبأ في خابية القمح.
فتش العسكر القرية بيتًا بيتًا، فلم يعثروا على أحد من الثوار، فغادروا البلد.
ذات يوم، وكان ذلك في العاشرة من عمري..
اقتحم صديقي أحمد غرفتي..واقترب من أذني وهمس :
- زَلَمي..!
- شو بِدّك..!؟
- ندخل على بيت جدِّك.!
- مجنون.. ! والجِنيَّة.!؟
- مبين بتأذيش أحد.! بنطل شوي وبنرجع.!
- وينته..!؟
- في الليل..!
بعد صلاة العشاء. كنا - أنا وسعيد - على باب البيت القديم.
دخل أمامي، يشق طريقه من بين كتل الظلام،التي كانت "تكبس " على المكان، مددت يدي كي أمسك به، كي لا نضيِّع بعضنا، في قاع هذا الظلام المخيف، وعندما أمسكت بيده، اجتاحني ارتجافها الشديد، فضاعف أمواج الخوف التي كانت تسري في عظامي، فشعرت أني على شفا الانهيار.!
- تعال نرجع ! همستُ، وأنا أشدُّ بيده الى الوراء.
- مالك.!؟ خايف..!؟ قال بصوت مرجوج، وهو يستمر بالسير الى الأمام.
وعندما أعاقت أقدامنا، كتل الحجارة والطين،المكوَّمة على مصطبة البيت، أضاء سعيد مصباحًا صغيرًا كان معه.
ضوء المصباح، رسم على حيطان البيت،صورًا و أشباحًا تصغر وتكبر، تمتد وتتقلَّص مغيِّرة أشكالها ، فتحوَّل خوفي الى هلع شديد.
- وَقْفوا.!! وارفعوا إيديكم..!! فجّر صوت هادر،سكون المكان..فتحولنا الى كتل متصخِّرة، من الخوف المذبوح.
تسللت عيني الى الأمام،كي تسرق لمحة، من مكان مصدر الصوت..
كان هو..
جدّي..!
كان جدّي واقفا بالبالطو الطويل، كأنه جبل أُقتطع من عزرائيل، رافعًا رأسه الكبير الى أعلى، كمثل حوت طار من البحر، شاهرًا بندقيته، التي كانت مصوّبةً نحونا.
صنع مع صور الأشباح و الظلال، التي تتشكَّل وتتحرك على حيطان البيت.
فزادت من خوفنا وهلعنا أضعافًا، فشعرت أن، رجلي لم تعد قادرة على حملي، وأني على شفا الانهيار.
وعندما " قَشَعَنا "..صرخ جدي :
- شو مْفَوِّتكم لهون..!!
صرخته هزَّت أركان البيت، وحوَّلتنا الى أصنام متحجرة.
أنزل جدّي البندقية، وغاب عن أعيننا للحظة خلناها الدهر، ورجع بدونها.
فعرفنا انه يخبئها في مكان ما في البيت..!
فتقدم مني، وأخذني بيده، دون ان ينطق ولو بكلمة واحدة، وقادني على أضواء مصباح سعيد، الذي كان يتبعنا الى خارج البيت القديم، وأوصلني الى فراشي.
وعرفنا انه يتسلل ليبيت في البيت القديم.. وأدركنا اننا يجب علينا حفظ سرِّه هذا !
ولم ندخله بعد ذلك..!
ولكن رغبتنا الشديدة، في العثور على البندقية، ظلت تراود أحلامنا..
وعرفنا أن أبي، يلحُّ في إقناع جدّي بهدم البيت..ولكن دون جدوى..كان يقول:
"لن يهدم البيت وأنا حي.! ".
سنة كاملة، ظلَّت روح جدّي تحمي البيت، وتخيف كل من يحاول التفكير في هدمه.
ولكن بعد انتهائها استطاع والدي، وبعد تردد شديد، أن يتغلَّب على مخاوفه، ويقرَّر هدم البيت القديم، وبناء بيت جديد لأخي،المقبل على الزواج قريبا..
وأخيرًا جاء يوم الهدم..
كان جميع أعين أهل الحارة، تراقب ماذا سيحدث للجرار، الذي بدأت أسنانه، تقترب من حيطان البيت..
ولكن في هذه المرة، استطاع الجرار، اسقاط الحيطان، وتحويلها الى ركام منثور.
وقفتُ - انا وصديقي سعيد - نراقب الموقف، منتظرين ظهور البندقية، التي لا يعرف سرّها سوانا..
ولما غادر الجرار المكان، صحت بسعيد : " دوِّر عليها بين ركام الخابية.!".
وإذا بسعيد، يرفعها من بين ركامها.. !
أسرعنا هاربين بها من أعين المتواجدين، خرجنا من الحارة الى المقبرة،وهناك وضعناها تحت الحنفية، حتى نَظُفتْ من التراب،الذي كان يغطيها.
فتكشَّف لنا السّر، الذي كان جدي قد نحته عليها :
" الجَعّارة..! "..جَعّارة الروحة..
بلد جدتي المهجَّرة، قبل ان يتزوجها جدّي، وانتقالها للسكن معه في بيتنا القديم في بلدنا..والتي روت لي الكثير، عن حياتها فيها، وعن تشتت أهلها، بعد طردهم منها بعد النكبة.
وفي طريق رجوعنا، أخبأنا البندقية، بين حجارة سنسلة كرم زيتوناتنا..
"ليش بتبكي.!؟" سألني سعيد،بعد ان رأى سيلان الدموع من عيني.
" على بيتنا القديم..!" أجبته، وبركان البكاء المحموم، ينطلق من مكانه المحبوس.
(عرعرة)