في جمهوريات الاتحاد السوفييتي كانوا يسمون الاطفال الطبقة المرفهة، حيث الاطفال يتمتعون بدلال الدولة من برامج خاصة وميزانيات ومدارس ومعاهد رياضية وموسيقية، وطعام صحي مفيد ووجبات ملتزمة بجميع الفيتامينات في المدارس.. الخ
وفي الدول الاوروبية يحظى الطفل الغربي بمقومات الطفولة، من الحضانة الى المدرسة حيث الطريق مفروشة بالاهتمام والحرص والرعاية وخلق المواهب، ونادرًا ما تجد لوحة شقاء معلقة فوق ظهر طفل أو تجد طفلًا ينزل الى ساحات التسول أو طفلًا يعمل في البيع والشراء في بسطة خضار أو عند حداد.
الكتابة عن الطفل العربي بحاجة الى جميع الأوراق التي تصنعها مصانع الورق، وقد نلتحق بالورق فنطالب باستيراد الورق من جزر الواق الواق.. لأن الطفل العربي يعاني من كل شيء ابتداءً من لقمة العيش مرورًا بسياسة التجهيل وصولًا الى كوارث الحروب الداخلية وتفشي الارهاب من قتل وذبح وانفجار احزمة ناسفة وقنابل موقوتة في كل مكان، في الشارع في المدرسة في الملعب في المسجد في الكنيسة في المطعم.. لا توجد خطوة آمنة او متر آمن على خارطة الوطن العربي.
أضيف لعدم الأمن الصور التي تركض وراءنا لتشير الى عدد الاطفال الذين يقتلون يوميًا، وعدد الأطفال الذين يخرجونهم من تحت الانقاض والدمار معفرين بتراب الموت، ولا نعرف عدد الاطفال الذين يعيشون في حصار في غزة، وحصار مخيم اليرموك.. أو في مدن الخوف والجوع، دمشق وباقي المدن والقرى السورية أو في بغداد وباقي الشريان العراقي النازف أو في اليمن أو في مصر أو في السودان وغيرها حيث ينتشر وبأ (نسيان الطفل)، كأنه غير موجود.. وحكامهم لا يحملون أحلام الشعب المبنية على أن الطفل سيكبر وهو سيحدد مستقبل الدولة، يحلمون ببقاء الطغمة نفسها والكراسي لن تتأرجح، ستبقى صامدة.. ولم يتعلموا من كتب التاريخ أن خشب الكراسي قد ينخره دود اليقظة والتغيير، فتكسر الأرجل، عندها يسقط القوي الجالس، والأرض لا ترحم فهي تقوم بقذفه برجلها ولا نعلم بعدها أين يصل...!!
في كل هذه الدوائر الطفل العربي لا يمثل للدول العربية ليس سوى ابتسامات بريئة نراها تتقدم في المناسبات السياسية والاجتماعية وفي المطارات حين يكون الطفل قد ارتدى أجمل الثياب حاملًا باقة الازهار ليقدمها للضيف القادم من دولته التي تنتهك حياة الاطفال..!! وحتى يُظهر الحاكم رقته المزيفة يقوم بتقبيل الطفل أو الطفلة التي عانت ساعات الانتظار تحت الشمس الحارقة أو في برد الشتاء.
وقد تلخص الصورة التي نقلت تفاصيل حنان الزعيم ووزعتها على الفضائيات التي تغرق في شبر ماء من شدة حبه، كرم الزعيم وحبه الفائق للأطفال.
والطفل الفلسطيني هل يختلف عن الأطفال العرب؟ ادخلوا أسواق قلقيلية، طولكرم، نابلس، رام الله، وغيرها من المدن الفلسطينية صباحًا، ظهرًا، عصرًا، أطفال لا يذهبون الى المدارس يعملون تحت ظروف مخجلة، يسمعون عبارات مهينة، كلمات بذيئة، يعملون في حمل وعتالة الخضار والفاكهة والأدوات المنزلية، عند التجار وأصحاب الدكاكين أو لدى المشترين، يحملون أوزانًا أكبر من أوزانهم يجرون عربات أثقل منهم.. والرقابة الفلسطينية نائمة.
أما عن أيدي التسول فحدث ولا حرج، حيث تحوَّل منظر حمل الأطفال للتسول ظاهرة ربحية للبعض، لكن عدم السيطرة عليها وعدم معاقبة الكبار الذين يوجهونهم لهذه العادة المخجلة، هو نوع من غض النظر واعطاء فرصة للكبار لانتهاك براءة الاطفال والاستمرار في الانتهاك وتحطيم شخصيته.
أما الفظاعة الأكبر عندما نجد في السجون الاسرائيلية أكثر من 200 طفل فلسطيني رهن الاعتقال موزعين على ثلاثة سجون مركزية في اسرائيل " سجن عوفر " و " سجن مجدو " و" سجن هشارون " في سجن عوفر وحده حوالي 100 طفل.. جمعية نادي الأسير تنادي وتناشد من أجل المساعدة في الافراج عن الاطفال، مع العلم أن بعضهم قد اصيب بأمراض مختلفة وعقد نفسية وحالات ذعر وخوف وارتعاش وصراخ وتبول لا أرادي.. ولا حياة لمن تنادي، كأن هؤلاء الأطفال مجرد أرقام تحدٍّ ومواجهة يجب أن يعيشوا مرارة النتائج.
تخيلوا لو أن طفلا يهوديا في سجن فلسطيني.. يا للهول.. لكان العالم قد تحول الى كتلة مناشدة وعويل ومعط الشعر وشق الثياب حزنًا على هذا الطفل البريء، عدا عن صوره التي ستحتل نشرات الاخبار والجدران ونتحول نحن الى شياطين نعشق سرقة أعمار الابرياء، وقد يقوم الجيش بعملية كوماندو أشبه بأفلام هوليود ويقتحمون السجن وينقذون الطفل وقد يقتلون في هذه العملية المئات.. ليس مهمًا.. المهم أنقذوا الطفل الاسرائيلي..!
على ذكر البراءة يُقال انه وجد في قطاع غزة جدي يدر الحليب.. صاحب الجدي أعلن أن حليب الجدي يشفي الأمراض، فانتشرت الاشاعة كسريان النار في الهشيم.. أحد اساتذة كلية الزراعة أكد أن الحليب عبارة عن سائل منوي قوي وليس حليبا، والقي القبض على الجدي وتقرر اعدامه.. واعدموه.
الجدي كان بريئًا وكل ذنبه أنه يدر الحليب.. بدون استشارته.. بدون أن يسأله أحد.. والذي يدر حليب الذل يوميًا ويشربه هؤلاء الأطفال..! والذي يدر حليب الصمت ويترك أطفاله بين القضبان يعانون من الخوف والذعر كل لحظة، ماذا نقول له... رحم الله الجدْي.
