مالي ارى الموت الشؤوم والغادر يغتام احبتي الكرام! فها هم يتساقطون كأوراق الشجر في الخريف، ويغادرون الحياة الدنيا الواحد تلو الآخر. ففي هذا الاسبوع اقتلع جذع آخر من حقلنا وبيدرنا، وفقدنا عزيزا غاليا على قلوبنا هو اخي وابن عمي الانسان والمربي الفاضل محمد طه اغبارية (ابو طه) الذي واريناه التراب في عرس جنائزي مهيب تحت زخات المطر والبرد، وقد خيم الحزن والاسى على كل من عرفه وعلمه، وعلى اهل بلدته "مصمص"، هذه القرية المنكوبة التي لا تكاد تصحو من فاجعة مؤلمة حتى تحل بعدها فاجعة اخرى اشد ايلاما.
ان الالم عميق، والفراق موجع وموحش، والمصاب جلل والخسارة بفقدان ابي طه فادحة وعظيمة لا تعوض، ويصدق فيه قوله تعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
وابو طه هو سيد الرجال وجمل المحامل ورجل المهمات الصعبة، انه مرجعية اجتماعية وشخصية تربوية بارزة ومميزة، شخصية كارزماتية ساحرة وجذابة، شخصية اعطت دون حدود لجهاز التربية والتعليم، وللمجتمع والبلد والوطن، وهو ركن هام من اركان واعمدة مصمص التي تسند القلب وتشحنه بالامل الابدي، وأحد بلدوزورات العمل الاجتماعي الاهلي والتربوي والتثقيفي.
عرفنا ابو طه عن قرب انسانا معطاء، امتاز بسخاء عطائه وحسن معاملته وعلاقاته الوطيدة مع الناس، كبارا وصغارا، وبحكمته وحنكته وغزارة فكره وبعد نظره ورجاحة عقله، وقد احببنا فيه تواضعه، دماثة اخلاقه العالية، طيبته، اناقته، ابتسامته الطفولية، حبه اللامحدود للناس وقلبه الواسع الذي غفر للجميع.
كان ابو طه بحرا من العطاء والنبع الفياض الذي لا ينضب، وبحرا في اللغة وقواعدها، عشق لغته العربية واولاها كل عناية ومحبة، ونثر بذورها ليمتلئ الحقل سنابل، وكان مرجعا لغويا نعود اليه كلما اقتضت الحاجة الى ذلك، وتمتع بذائقة ادبية وموهبة قصصية، وفي شبابه كتب العديد من القصص القصيرة ونشرها في صحيفة "اليوم" المحتجبة، ولكنْ ظروف خاصة حالت دون الاستمرار في الكتابة القصصية.
وابو طه من اوائل المعلمين العرب، ولم يتخذ التعليم كمهنة فحسب، بل استغلها كاداة ناجعة لتربية الاجيال، وقد تتلمذت وتخرجت على يديه اعداد هائلة من الطلاب الذين اصبحوا على مر الايام من رواد وطلائع وقادة مجتمعنا، ولا يزالون يذكرون افضاله في اختياراتهم لطريق المستقبل.
لقد كنت يا ابا طه معلما جديا ومربيا مخلصا لرسالة العلم، زرعت قلبك في مدرستك وتركت بصماتك على مسيرة التربية والتعليم، فأضأت الطريق، طريق الخير والعطاء، طريق النور والمعرفة للاجيال الجديدة. ولم تتشرف بكرسي الادارة عندما تقلدت منصب مدير مدرسة "المتنبي" في ام الفحم، وانما شرّف الكرسي بك وكنت تعي مدى كبر المسؤولية الملقاة عليك، ولكنك عملت بكل جد ودأب ومثابرة وواصلت النهار بالليل، واعطيت بغير حساب، وظفرت بمحبة الطلاب والمعلمين.
فيا ابا طه: كنت رجلا ملء العيون والآذان، هادئا، رزينا، متزنا، لطيف المعشر، طيب المعاملة، حسن الخلق، ودودا، عطوفا، وكنت دبلوماسيا من الدرجة الاولى ولولبا نشطا في مواجهة الصعاب وتحديات الحياة. وكنت مخلصا لعقيدتك، مؤمنا بقضاء الله وقدره، متسامحا كريما مع المسيئين لك، مجسدا بذلك مقولة السيد المسيح "من ضربك على خدك الايمن فأدر له الايسر، وكنت مهتما بالتفاصيل الدقيقة، واكاد اقول انك حالة استثنائية ونادرة في تعاملها مع الافراد والجماعات، في هذا الزمان الحالك الذي انهارت فيه القيم والاخلاق.
وكنت يا ابا طه مثقفا ورياديا في المجتمع وتبوأت منزلة رفيعة ومحترمة، وكان لك حضور دائم في المناسبات العامة والخاصة، احببت الجميع وكنت قريبا من قلوبهم، بادلتهم حبا بحب، ولم تتخلف يوما عن مشاركتهم افراحهم واحزانهم وآلامهم، كما كنت سباقا في عمل الخير والاصلاح وخدمة مجتمعك وبلدتك وتآخي اهلها وتعاضدهم.
يا ابا طه المندى بالعطر والريحان الذي كنت تحب وتعشق، والله لو عشت في عهد حاتم الطائي لرددت ما قاله لأماوية: اماوي ان المال غال ورائح/ ويبقى من المال الاحاديث والذكر. اماوي اني اقول لسائل اذا جاء يوما/ حل في مالنا النزر. فمن شيمك دائما المروءة والنخوة والسخاء واحترام الكبير ونصرة الفقراء والمحتاجين.
مات ابو طه وغاب وظلت مصمص في سواد العيون، بعد ان حق لها ان يزحف السواد الى شوارعها واحيائها وازقتها وتلالها وجبالها ورباها، حدادا على من نذر عمره لكل حصاة ترابها، فوداعا ايها الراحل ابو طه، ولك ان تستريح في قبرك، فقد رحلت وتركت اريج طيبك وعبق روحك، وستبقى تطير كل ليلة على جوادك المجنح، اما الحروف التي نزف عليها موتك فهي وحدها الكفيلة بان تبعث فيك روح الحياة، كنت كبيرا وعظيما في حياتك، وانت اليوم عظيم وكبير بعد مماتك، وستظل خالدا في ذاكرتنا، حاضرا فينا ولن تموت.
(مصمص)
