أرض اليوم

single

أرض اليوم نعمة من عند الله، والله يحبّ أن يرى نعمه على خلقه! أرض اليوم قاضية الحاجات، وما أكثرها! أرض اليوم للتجارة، للبيع والشراء والرهان. أرض اليوم للعمار والزواج والتناسل والسيّارات الفاخرة والرحلات إلى خارج البلاد. أرض اليوم سند مالي وصكّ استثماري... يكبر الولد، ويصير في حاجة إلى العمار والعمار مكلف. وإذا عمّر الولد وجهّز البيت صار في حاجة إلى بنت حلال وبنت الحلال مكلفة. والولد لا يستطيع أن يفعل كلّ هذا بعرق جبينه الغضّ، حرام! لا عليك يا ولدي نبيع دونمًا أو اثنين، ترتّب أمورك وتبني نفسك. يتزوّج الولد ويصير في حاجة إلى سيّارة. لكنّ العين بصيرة واليد قصيرة. والولد متضايق يتأفّف يتذمّر أمام أمه وأبيه. وقلب الأمّ والأب يتقطّع.. لا عليك يا ولدي نبيع دونمًا أو نصف دونم تقضي حاجتك. تمرّ الأيام والولد يصير معيلا والعيال تحتاج إلى مصاريف ورحلتين في السنة إلى الشرم وأنطاليا. لا بأس يا ولدي لم يبق إلا أن تبيعني أنا وأمك!
أرضي أنا ليست للبيع أو الرهان أو المصادرة أو السرقة أو الخيانة. أرضي أنا كانت للحياة، الحياة بكامل معانيها الجميلة الجليلة. الأرض التي أعرفها كانت تكفينا تطعمنا وتسقينا وتؤوينا وتحمينا وترعانا. كنا نزرعها التبغ الحامي والسمسم والبامية والحمّص والفول والعدس والقمح، القمح الذي إذا دخله الخيّال لا تراه، والشعير والكرسنّة والخيار والبندورة البلدية، البندورة التي تزن حبّتان منها كيلو أو أكثر. كنا نزرعها الثوم والفلفل والبصل، البصل البلدي الذي يصل وزن الرأس إلى نصف كيلو، والشمندر السكّري والبطيخ وشمّام القواديس البرتقالي المشقّق. كنا نزرعها الزيتون الصوري والدوالي والتين والرمّان واللوز. كانت تكفينا في المواسم وما يفيض عن الحاجة ندّخره للأيام الشتوية الباردة: الزبيب والقطين وقلائد البامية المجفّفة ومربّى العنب والبندورة المجففة وعصير البندورة والحمص والفول والمخلّلات... أرضي أنا أعرفها وتعرفني. عليها درجت خطواتي المتعثّرة الأولى وشببت وبلغت. منها أكلت وشربت وفيها لعبت وعملت وسرحت مع المعزى والغنم، فكيف أخونها وأبيعها؟! أرضي أنا عمود البيت.. سقف البيت.. فرد من أفراد الأسرة. كانت أرضي تأكل من يدي "راقات" كلّ سنة وأظل راضيًا مَرضيًا حامدًا شاكرًا.
أغفلناها وهانت علينا وهان فراقها. حكومات إسرائيل فرّقت بيننا، خطّطت بخبث، جفّفت المنابع والمرابع والمراضع، وتحكّمت بالزرع والأثمان، وأعطته للشركات الكبرى تمنع وتحرّم وتصادر حقّنا في أن نزرع ما نشاء متى نشاء وأن نبيع ما نريد وأين نريد وبأيّ الأثمان نبيع. ودفعت الناس دفعًا غير راحم إلى أحضان ورش العمار والمصانع التي تحتاجها الدولة الفتيّة. دفعونا إلى أحضان موشي ويوسي وحوّلونا من فلاحين معتزّين بكرامتهم إلى عمّال بالسخرة. أذكر اليوم الذي لم يعد كرم العنب الذي كنا نملكه يكفي حوائجنا. أذكر اليوم الذي حمل فيه والدي زوّادته وخرج إلى العمل عند الفجر في مصانع الحديد عند كريات آتا. أذكره حين عاد مرهقًا غير معتاد، صدّت نفسه عن الأكل. كان ساهمًا حزينًا ولمّا سألته ماذا به لاحت في عينيه دمعة لم أفهما في حينه...  أرض اليوم بحاجة إلى يوم الأرض. أرض اليوم بحاجة إلى ثلاث مائة وخمسة وستين يوم أرض لنحميها من الطامعين ومن أنفسنا الأمّارة بنكران الجميل. ابتعدنا عن أرضنا ولم نعد نراها. وما كان بعيدًا عن العين كان عن القلب بعيدًا. كلام صحيح يقطّع القلب!


قد يهمّكم أيضا..
featured

بما أن الحصار بالحصار يذكّر: هنـا بيـروت ١٩٨٢

featured

حقيقة مواقف واشنطن!

featured

داني بيتر أول رئيس لقائمة المعلمين الدمقراطيين(1928- 25-06-2015)

featured

سياسات رفع الدعم و"روشتة" البنك الدولي

featured

مصير العدوان الإسرائيلي