يشير عدد من المصادر والمعلومات الى أن الولايات المتحدة تدرس "تغيير سياستها" مع عدد من الأنظمة العربية. ويتم التركيز على منطقة الخليج بالذات بسبب ضخامة المصالح الأمريكية هناك.
للوهلة الأولى، تترك عبارة "تغيير السياسة" انطباعًا ايجابيًا. فيتم الإكثار من استخدام تعابير مثل تعميق الديمقراطية والشفافية والى آخره، ولكن يجب النظر خلف التعابير والبحث عما تعنيه في الممارسات والسياسات. لأن ما تقوم به واشنطن عمليًا هو تحرّك لوأد روح الثورات العربية المتفاعلة، ومنع وصولها الى المواقع التي تشكل مصادر للثروة والطاقة وفرض الهيمنة، بالنسبة للولايات المتحدة.
لقد رأينا مدى النفاق الذي اتسم به التعاطي الأمريكي الرسمي مع الثورة المصرية العظيمة. وعلى الرغم من إطلاق تصريحات "تتفهم" ثورة الشعب، فإن الموقف الأساس ظلّ يتمثل في حماية النظام الحاكم. بل ان وزيرة الخارجية الأمريكية دعت علانية، قبل يومين من انصراف حسني مبارك، الى بقائه في السلطة. وحتى بعد خلعه ظلت محاولات واشنطن (وإسرائيل أيضًا!) للابقاء على نظامه.
هذا الموقف المنافق يتكرر اليوم بوضوح أكبر نحو البحرين والسعودية. فالقاموس الأمريكي الرسمي الذي يستلّ المفاهيم الديمقراطية بسهولة ضد ايران مثلا، لا يفعل ذلك حين يتعلق الأمر بالسعودية، والتي اشارت صحيفة "اندبندنت" البريطانية أمس الى أن نظامها يحشد عشرات ألوف عناصر الأمن لمنع تظاهرات واحتجاجات مرتقبة خلال أيام ضد فساد العائلة الدكتاتورية الحاكمة! ويأتي في موازاة الخشية من تحركات أمريكية، عسكرية وغيرها، للتدخل في ليبيا بغية فرض هيمنها على هذا البلد الغنيّ بمصادر الطاقة.
هذه السياسات الأمريكية مجتمعة تفرض درجة عليا من اليقظة والحذر والتنبّه مما قد تكون تحيكه الآن الدوائر الحاكمة في واشنطن. فمفاهيم الديمقراطية التي ترتفع صرخة الشعوب العربية مطالبة بها، تختلف تمامًا عما تقصده بها مراكز الامبريالية العالمية. ويجب قراءة الصورة وفقًا لهذا الفهم، والعمل بموجبه لمواجهة أية مخططات عدوانية وتآمرية محتملة ضد هذا البلد العربيّ أو ذاك، ومن دون التنازل عن التحرك الثوريّ الشجاع للتخلّص من جميع الأنظمة الدكتاتورية.
