على عتباتِ دمشقَ المقدَّسةِ

single
جذبني ما كتبه رفيقنا الكاتب والأديب، نمر نمر في الاسبوع الماضي، تحت عنوان "من قاسيون أُطلُّ يا وطني"، حين أعطانا مُتحِفًا بعضَ أسماء الكتَّاب العبريِّين من أصل سوريٍّ، الذين ما زالوا يذكرون باعتزاز أيامَهم في مسقط رأسهم، قبل أن يغادروا وطنهم سوريا إلى بلادنا، ومشوِّقًا القرَّاء إلى مطالعة هذه الكتب..
حين انتهيتُ من قراءة المقالة، تبادرت إلى ذهني روايتان متشابهتان في المضمون والمغزى، قصَّاهما عليَّ شخصان يهوديَّان "أولاد عرب" الأوَّل عراقيٌّ، وتحديدًا من بغداد، والثَّاني مصريٌّ، من مدينة الاسكندريَّة.
كان الأوَّل وإخوانه أيتام الامِّ وكانت مرضعتهم عربيَّة، أم أحمد، حيث ما زالوا يكنُّون المحبَّة والمودَّة والعرفان لأمِّهم الثَّانية ويحملون الحنين إلى لقائها ولقاء إخوتهم في الرَّضاعة والشَّوق بسماع الأغاني العربيَّة العراقيَّة الحزينة بنغمتها وكلماتها وألحانها، أمَّا الثَّاني فقد رضع أيضًا وإخوانه من امِّ اسكندرانيَّة، بعد أن فقدوا والدتهم في حادثٍ أليم وما زالوا يذكرون فضلها عليهم، فكانوا جميعهم إخوةً في الحليب. ويذكر مُحدِّثي أيضًا أن والده كان يداوم على صلاة الجمعة، بالرَّغم من يهوديَّته، في الجامع المركزيِّ للإسكندريَّة ويستمتعُ بسماع تلاوة القرآن الكريم والخطب أيام الجمعة، والأناشيد والتَّراويح، ويذكر، ضاحكًا، كيف سُرق حذاء والده من باب المسجدِ..
لقد حدَّثني الاثنان، في لقاءين منفردين، كيف كانا وإخوانهم يعيشون بين أبناء
وطنهم الواحد دون فرق في الدِّين وموحَّدين بلغة الضَّادِ حضارةً وتاريخًا وتربيةً
وأخلاقًا وفنًّا.
يُذكر أنَّ اليهود العراقيِّين كانوا قد رفعوا شعارهم في أربعينيَّات القرن المنصرم: "جينا الدِّعاية، جينا وجيَّتنا، والطَّيَّارة السُّودا، جَت وجابتنا، نوري وبن غوريون ان شالله يِعمُون" لأنّهما السّبب في مآسيهم وفي ترك وطنهم الأم. فقد وجدت الحركة الصَّهيونيَّة طريقًا لتهجير يهود الوطن العربي الى فلسطين عنوةً، حتى لو كان هذا على حساب أرواحهم بتفجير اماكن العبادة وسكناهم، خاصَّةً بعد أرسلت إلى بلاد الرَّافدين شلومو هيلل ومردخاي بن فورات وغيرهما لحثِّ اليهود على ترك بلادهم، حيث كانوا بغالبيَّتهم السَّاحقة معادين للصَّهيونيَّة وقد نظَّموا حركاتٍ ضدَّ الصَّهيونيَّة وبيَّنوا ولاءهم لوطنهم العراق، لذلك قامت قوى الاستعمار، عن طريق مبعوثيها وعملائها، وبتنسيق تآمريٍّ مع نوري السَّعيد، في تضييق الخناق على يهود العراق ببثِّ الرُّعب والفوضى بينهم وإسقاط وسحبِ جنسيَّتهم وانتمائهم لبلدهم، ليكون سببًا لمصادرة أملاكهم وأموالهم وأرزاقهم وأرصدتهم ليضيق بهم وطنهم ذرعًا حتَّى يجدوا فلسطين مأواهم الوحيد، وخلاصًا من عذابهم في أرض آبائهم وأجدادهم! وكان أوج المؤامرة في أوائل الخمسينيَّات، حيث نقلت الطَّائرات الأمريكيَّة أكثر من مائة ألف يهوديٍّ إلى فلسطين في عمليَّة "علي بابا". وهناك من اجتمع رئيس وزراء العراق في فيينا عام النَّكبة مع بن غوريون لمناقشة الحاجة في التَّبادل السُّكَّانيِّ، مقبل دعم ماليٍّ..وقد نظَّموا نفس المكيدة ضدَّ يهود باقي الاقطار العربيَّة.
عِشنا سويَّة، على مدى العصور، في الجزيرة العربيَّة وبلاد الشَّام والمغرب العربيِّ والأندلس شعبًا واحدًا، لا دينٌ يُفرِّقُنا، ويوحَّدُنا لسانُ الضَّادِ، وعِشنا بأمان وحريَّة وطمأنينة حتَّى ظهور الحركة الصَّهيونيَّة، صنيعة الإمبرياليَّة التي رفعت لواء الاحتراب والتَّفرقة والتَّقسيم وإثارة القلاقل والاقتتال والفِتن، ونجحت!
نجحوا بمؤامرة سايكس بيكو في القرن الماضي، لكنَّ هذا المخطَّط الجديد سيتحطَّم
على عتبات دمشق المقدَّسة والمباركة عندما "بارك الله لنا في شامنا"، فضمِّدي
جراحك يا شآم وادفني شهداءك وانتصري.  
قد يهمّكم أيضا..
featured

لكشف عرب أمريكا المتآمرين!

featured

لِيفِ رئيس بلدية أم الفحم وادارته بازالة الهوائيات من على سطح وممتلكات بلدية أم الفحم

featured

العدالة لغزّة، وليس الوصاية!

featured

المخيّمات الوزاريّة في المدارس - أطفالنا إلى أين!

featured

عدوى الثورة واللغة

featured

لماذا قذفنا القذّافي؟

featured

إسقاطات الفشل وخيبة الأمل من مفاوضات السلام والمخفي أعظم واخطر

featured

رد الجماهير جاء في خبيزة