عدوى الثورة واللغة

single

العقيد القذافي ليس رئيسًا عاديًا..!

 

هل هو الشعور بالنقص؟ لا أعرف. ولكن عندما تتحدث مع مصري مقيم بيننا منذ عشرات السنين، فستجد أنه ما زال يتحدث باللهجة المصرية. أما نحن، في المقابل، فإذا ما تغرب أحدنا أسبوعًا واحدًا في مصر، فسيتوجه إليكم، وهو على سلم الطائرة هاتفًا : "وحشتوني".
تطلب منه أن يكف عن هذا التقليد الأعمى للّجهة المصرية، التي نحبها، فيقول لك مغلوبًا على أمره: "حاضر يا خويَ". أما في البيت فسيطلب من ابنه إحضار التربيزة لوضع صينية القهوة. ويحلف أن يدعوك على وجبة الغذاء بمناسبة عودته السلامة، "لأنو المدام عاملة صينية بالفراخ"، وكأن لغتنا لا تحمل الكلمة العربية الأصيلة للفراخ: "بارغيوت". مالها كلمة "بارغيوت"؟
يظهر أنه، بالإضافة إلى كون مصر أم الدنيا وأم الحضارات، فهي أيضًا أم اللهجات، واليوم بعد انتصار الثورة، وانتقال عدواها إلى الشعوب العربي وشعوب العالم قاطبة، فستنقل إلينا عدوى اللهجة، حتى بدون أن نزور مصر..
هي أمور صغيرة ولكنها تُخرج ضبان العقل. "جاتكم نيله".

 

*الثورة تعيد نفسها*


عندما انطلقت ثورة تموز 1952، قرر الثوار، وعلى رأسهم عبد الناصر، أن تكون الثورة بيضاء وأن لا تتلطخ بالدم، دم الانتقام والتخوين والتصفيات، فسمحوا للملك فاروق بمغادرة مصر على متن باخرة.
التسامح الثوري قد يُفلت البعض من العقاب، ولا بأس من ذلك، ولكن التشدد الثوري، قد يطيح برؤوس كثيرة وتخوين أعداد هائلة، الأمر الذي يؤدي في النهاية، إلى توجيه طعنة أحيانًا تكون قاتلة للثورة وأهدافها. والبرامج التلفزيونية تدل أن هذا الشعب يريدها ثورة لا تقتل أبناءها.
والشيء بالشيء يُذكر، فعندما استمعت لقيادات الشباب المصري في أحد البرامج التلفزيونية تفاجأت من فهمهم العميق لمفهوم العمل التحالفي، حين قال أحدهم، وهو من تيار اليسار، بأنه لا يدلي بتصريح، إلا وفكر، قبلئذ، كيف سيكون هذا التصريح مقبولًا على حليفه الإسلامي، والعكس بالعكس.
وهذا ما كان. في ميدان التحرير كان هنالك علم واحد هو علم مصر، وهتاف واحد هو هتاف إسقاط نظام مبارك. و في ميدان التحرير، كما هو معلوم، تواجد، على الأقل، مليون متظاهر. بينما لدينا، وفي مظاهرة يشارك فيها ثلاثة أفراد، ترتفع أربعة أعلام تمثل خمسة أحزاب، وكل واحد يريد تصدر المظاهرة، وكلهم في الصف الأول. ومن المعروف أن هالك شوارع تتسع لمظاهرات مليونية، ولكن لم يتم حتى الآن شق الشارع الذي يتسع، لكل الزعامات لدينا.

 

*راس ابريموس*


في مسرحية "ضيعة تشرين"، يأخذ الحماس المختار حسني البرزان (نهاد قلعي)، فينضم للمتظاهرين، غير آبه بتحذير الناطور بأن المظاهرة ضده قائلاً: "ولك أنا معهم ضد نفسي". وزيادة في التأكيد على التزامه الوطني، ينزع الطاقية عن رأسه، ليستبدلها بطاقة أخرى، فيتبين بأنها طنجرة.
هل رأى العقيد القذافي مسرحية "ضيعة تشرين"؟! لا أعرف. ولكنه الآن بطل هذه المسرحية، وهذه المرّة على أرض الواقع، عندما انضم، كما ذكرت وكالات الأنباء، إلى المتظاهرين ضد حكومته. ونعود للهجة المصرية: "شوف العجب يا رجب"، القذافي يتظاهر ضد الحكومة التي عينها.
المهم، أن الطنجرة التي اعتمرها حسني البرزان هي من طناجر أيام زمان المجيدة، فهي مضادة للنووي والكيماوي وللرصاص الحي وحتى الهتافات لا تنفذ منها، فهي تغطي الأذنين أيضًا.
ما يهمّنا الآن هو أن نهدئ من روع العقيد القذافي، لئلا يأخذه الحماس ويقود انقلابًا على نفسه، ويعدم  الطغمة الفاسدة، فلا يبقى إلا رأس الطنجرة، فماذا يسوى الوطن بدون "راس البريموس"، وهذا الاصطلاح، هو أيضًا من إبداعات غوار الطوشة (دريد لحام)، حين يذكر "راس البريموس"، بنغمة إعجاب.
بحثت عن مدلول الاصطلاح، في الانترنت، لم أجد شيئًا محددًا ولكن هنالك نوع من الإشارة أن راس البريموس يأتي للإشارة للقلّة الموجودة على رأس الهرم، وهناك تفسير آخر بأن المقصود هو الإشارة للغبي. على كل حال، فضلت التفسير الأول الذي يطابق الحالة هنا، (وصفة الغباء، أبقيتها من باب زودة البياع)، وخاصة أن العقيد ليس رئيسًا عاديًا، فهو رئيس الرؤساء وملك الملوك. إذن بالضرورة رأس دائمًا، في الحكم البائد والحكم الصاعد، وعلى الشعوب، أن تغادر، أو تنتحر، إذا لم يعجبها هذا الحال. والنكتة المصرية تقول، أنه حين طُلب من مبارك أن يودِّع الشعب،  تساءل: "هو الشعب مسافر فين؟".   

 

*مراجل جحا*


تتهم إدارة أوباما القيادة الإيرانية بأنها متلونة، لأنها تؤيد انتفاضة الشعب المصري ضد مبارك، وفي الوقت نفسه تقمع المتظاهرين في بلادها. صحيح مستر بريزدانت، ولكن المتلون الأكبر، وعذرًا على الصراحة، هو أنت ونظامك، فهذا الاندفاع في التأييد للثورة المصرية، يتناقض بشكل فاضح مع التكنولوجيا العصرية، الأمريكية الصنع، التي تم فيها قمع المظاهرات في مصر ودول الخليج والبحرين واليمن، ولا ننسى المدللة إسرائيل.
والسؤال هنا لماذا يتوقف هذا الاندلاق الديمقراطي على حدود إسرائيل؟ فبسلاحك، مستر بريزدانت وبتأييدك السياسي والاقتصادي، يتم إغلاق غزة، ويتم دوس قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، بالنعال. وبهذه المساعدة يستمر بناء الجدار وإقامة الحواجز، ومئات الأمور المروّعة الأخرى.. وحضرتك، كأنك "ولا أنت داري."
منظرك تعيس، مستر بريزدانت، وأنت تدافع عن مظاهرات المصريين، وتصمت عن جرائم حكومة إسرائيل! لماذا أنت أسد أمام مبارك وأرنب أمام نتنياهو. ماذا يقول مثلنا العامي، "مراجل جحا على مرة أبوه". بتمييزك بين أبنائك، أثرت بنا الشفقة على دكتاتوريينا. "يا ظالم"!

 

*وزير عدل بن دون عدل*


الحقيقة أن انضمام وزير العدل الأردني إلى المتظاهرين، المطالبين بإطلاق سراح قاتل الفتيات الإسرائيليات السبع، هو أمر محزن، أكثر مما هو أمر مغضب. وهذا الموقف يطرح السؤال، هل سيادة الوزير ملتزم بما أُودِع بيده، وما أودع في يده، بهذا الشأن هو أمر ثمين، أي تحقيق العدل والدفاع عن العدل حتى في أصعب الظروف.
هل هذا هو العدل العربي الذي نريد أن نرفع رأسنا به؟ هل بإمكان العدل أن ينطق بما نطق به السيد الوزير؟ حين قال أنه لو أن القاتل يهوديًا والقتلى عرب، لتم إقامة نصب تذكاري للقاتل. هل العدل هو بتقليد ما يفعله دائسو العدل بأقدامهم؟ أم هل من واجب وزير العدل أن يقول، "حتى لو أُنزل بي كل الظلم، فسأحافظ على مبادئ العدل، حتى وأن بقيت وحيدًا".
قد يحظى الوزير ببعض نقاط، ولكنه يجب أن يعرف أن بموقفه هذان فإنما يعطي الضوء الأخضر لعنصريين في إسرائيل، وهم كثر، أن يقوموا بموبقات ضد العرب، فكل موقف جائر في طرف ما هو تشجيع ارتكاب جريمة في الطرف الآخر.
وأخيرًا، إذا يا كان الوزير يعتقد بأن تصريحاته هذه ستُغضب اليمين المسيطر على الحكومة الإسرائيلية فهو واهم. إنهم ينتظرون هذه التصريحات، بل أكثر من ذلك فهم سيسوقونها لتعم العالم كله. نحن أدرى بهذه السياسة، لقد خبرناها على جلودنا، حين كان يتظاهر عشرات الآلاف لدينا، وكانت وسائل الإعلام لا تجد سوى شاب ملثم، أغلب الظن انه مدسوس، وهو يحرق في مكان ما علم إسرائيل، وهكذا يسوقون للعالم بأنهم الضحية والفلسطيني هو الجاني.
تصريحات وزير العدل لم تزد العدل شموخًا وأضرت بسمعة الشعبين، الأردني والفلسطيني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وقاحة غير عادية!

featured

توثيق لتاريخ إقرث، ونضال أهلها المهجّرين

featured

الشرطة الجماهيرية

featured

"اللي طلّع الحمار على المئذنة فلينزله"

featured

الهجمة على الأخ أيمن عودة.. لماذا؟!

featured

وحيد الحمد الله كما عرفته !

featured

أُنموذج هذه الأسرة

featured

الإرهاب الذي في الشوارع والذي لا نسمع عنه