وحيد الحمد الله كما عرفته !

single

تعرفت على المناضل الراحل وحيد الحمد الله لأول مرة في عام 1982. كنت ضمن وفد طلابي من جامعة النجاح  جاء لبلدة عنبتا للإعراب عن مشاعر التضامن معه بعد أن أمر بعزله الجنرال أريئيل شارون، وزير الجيش آنذاك. وشمل قرار العزل رئيسي بلديتي نابلس، بسام الشكعة، ورام الله كريم خلف. وسبق قرار العزل الاحتلالي، إقالة مجلس بلدية البيرة ، الذي ترأسه إبراهيم الطويل.
بعد صدور قرارات العزل، أعلن شارون ،" ان الصراع السياسي على المناطق المحتلة قد ابتدأ. وسيستمر مدة طويلة."
شارون أراد تكريس الاحتلال.
الحمد الله  ورفاقه من رؤساء البلديات المنتخبين  أرادوا إنهاء الاحتلال. رفضوا قرارات عزلهم وأيدتهم الجماهير. والجميع خاض التحدي  تحت شعار، " نعم لمنظمة التحرير ولا للإدارة المدنية الاسرائيلية.
 كانت الأراضي المحتلة  تفور بمشاعر التحدي للاحتلال. وكان الحمد الله من رواد تلك المرحلة. وكانت أولوياتها  مقاومة مشروع الاستيطان اليهودي وإشهار الإنتماء لمنظمة التحرير.
أغلقت سلطات الاحتلال مجلس بلدي عنبتا. فنقل الحمد نشاطه لمنزله. و من غرفة إستقبال متواضعة، تابع الحمد الله قضايا الناس الاعتيادية المتعلقة بالمجلس البلدي. لكنه أعطى موضوع  حماية الأرض اهتماما مضاعفا.  وكانت قضية الدفاع عن  الأرض وحمايتها  في صدر اهتمامات لجنة التوجيه الوطني التي نشط فيها الحمد الله  بفعالية.
إلتقيته مرة ثانية في أواسط عام 1983 . كنت في حينها صحفيا متخرج حديثا من جامعة النجاح. وقد التحقت فور تخرجي بصحيفة الطليعة المقدسية للعمل فيها مراسلا للشؤون المحلية.
وقد حثني على الاتصال بالحمد الله، رئيس  تحرير الطليعة المرحوم بشير البرغوثي  المناضل الوطني والشيوعي الكبير  الذي كانت تربطه بالحمد الله صلة وثيقة بحكم عملهما المشترك في قيادة لجنة التوجيه الوطني. ولم يكن البرغوثي قائدا سياسيا ووطنيا فحسب، بل كاتبا وصحفيا رياديا تميز بحسِه المهني المرهف حيال القضايا المحلية التي ينبغي التقاطها ومعالجتها على طريقة Close up  ليتم نشرها في الطليعة وغيرها من المطبوعات الإعلامية الوطنية.
 وكان البرغوثي يقول عن الحمد الله في اجتماعات هيئة التحرير ، " إنه صانع حدث، ومطلع على أدق تفاصيل فعاليات لجان الدفاع عن الأرض، ومصدر موثوق له صلات واسعة مع المتضررين من مشروع الاستيطان."
وكانت قضية الأرض والصمود فيها وحمايتها بكل السبل المتاحة من القضايا ذات الأولوية بتغطية  الصحيفة.
بعد اللقاء الثاني تكررت لقاءاتي ومقابلاتي مع الحمد الله في منزله طوال أربع سنوات (1983-1987).
وكانت المقابلات  تتم في معظم الأحيان أثناء تواجد أصحاب الأراضي أو نشطاء الدفاع عن الأراضي في ديوانه.
هؤلاء جاءوا من  جينصافوط وكفر ثلث وسينيريا وبديا وإسكاكا وسلفيت  والزاوية  ودير إستيا وبيت أمين وكفر لاقف ومسحة وغيرها من القرى والبلدات التي يستهدفها المشروع الإستيطاني.( 1)
أستمع للنقاش المثير الذي يدور.
ففلان من الحاضرين يتلقى، من الحمد الله، أقصوصة إعلان من صحيفة "الأنباء" الإسرائيلية يرد فيه أن ضابط التنظيم الإسرائيلي يريد وضع مخطط هيكلي جديد للأرض. يطلب الحمد الله منه، " افحص إذا ما كانت أرضك تقع ضمن المخطط. فهذا الإعلان يقول ان مصادرة للأرض ستقع خلال أسبوعين." ويتلقى فلان ثانٍ عتابا مثل، " لماذا لم تغرس أرضك المحاذية للمستوطنة بأشتال الزيتون؟" ولثالث يقول ، " بدون اعتصام  جماعي على الأرض المهددة ومواجهة الجرافات نخسر الأرض!"
ويصغي الحمد الله لوجهات نظر المراجعين والتي لم تخل من معلومات يقشعر لها الأبدان عن ممارسات سماسرة الشركات الإسرائيلية (المحليين) ،" يا أبو الرائد فلان المتوفى حديثا أخرجوا جثته من القبر، في الليل،  ليقطعوا إبهامه ويضعوه، كبصمة، على وكالة دورية لإبرام صفقة مزورة!" ويستمع لتحليل(من محامٍ ) عن حريق محكمة نابلس (20/12/1984) يقول "بأنه حدث مفتعل ومرتب كما في المسلسلات الدرامية.  نجم عن الحريق إتلاف مئات الوثائق الحقوقية  والطعون ضد سماسرة وشركات إسرائيلية جندها الصندوق القومي اليهودي وصندوق أراضي إسرائيل.
ويستمع  الحمد الله، كمان وكمان، لمراجعيه : "فلان المتوفى منذ زمن، إنتحلوا شخصيته ووضعوا اسمه على صفقة بيع مزورة" أو "أخرجوا شهادة وفاة لشخص (عبد الرحيم سلامة ) ما زال حيا ( آنذاك) لتغييبه عند استكمال الصفقة،" أو " خطفوا  فلانا ( مثلما حصل مع عبد الرحيم الأقرع  من بديا و محمد صالح نوفل من جيوس) لاقتناص بصمته بالقوة " أو "الاستعداد للاستشهاد دفاعا عن "السوافت" و"حزيمة "( من  أراضي  بديا)  كما في قصة الشهيد  إبراهيم أحمد  الأقرع من بديا (2/5/1983)". (2)
لم يكن من الصعب ملاحظة امتقاع  وجه الحمد الله واحمراره  ، دلالة على إرتفاع ضغطه وانزعاجه مما يسمع. فيعود ليندمج في أجواء النقاش، لكن بنبرة أعلى.  وأنقل من دفتري ما قاله لمتحدثيه،" صحيح أننا نواجه عدوا قويا ومسلحا. وصحيح أن إمكانياتنا جد متواضعة مقارنة بإمكانيات الإحتلال. لكننا أصحاب حق في هذه الأرض. علينا فعل ما ينبغي من فعله لحماية الأرض. فالذي  أرضه غير مزروعة فليغرسها زيتونا. والقرية التي لا توجد بها لجنة حماية فلنؤسس بها لجنة. والذي أوراق ملكية أرضه غير مرتبة فليعتنِ بترتيبها. والسمسار المتخفي، لنفضحه. والذي تورط بصفقة بيع لأرضه، عن سذاجة أو طمع، فليكف عن ذلك، لأن بيع الأرض  لليهود خيانة عظمى.  والمحامي الذي يحتاج لمصروفات لم نوفرها له يصبر علينا أو يعتبر جهده جهدا حربيا وطنيا.  شح الموارد المالية لا يجب أن يكون سببا للتقاعس عن واجب الدفاع عن الأرض."
وفي أكثر من مناسبة، كان يستدعي ضعاف النفوس لديوانه فيقرعهم ويصرخ عليهم قائلا،" ضعفكم لن يرحمكم! لا تتعاملوا مع السماسرة. إنتبهوا! وارحموا سمعة أولادكم !"
ويتجه نحوي فيقول، " وللصحافة دور. أكتب يا عاطف!"
وكان يكتب هو الآخر في دفتر ويدون ملاحظات. وأعتقد أنه ترك وراءه دفاتر كثيرة دوَّن فيها معطيات ووقائع لم تر النور، ولم تعرض على وسائل الإعلام.
كان الحمد الله  يمقت سماسرة الأراضي. ويصفهم بأنهم "خونة" و "أدوات للاحتلال"! وكان لهم سطوة في بعض القرى المستهدفة أراضيها من جانب الشركات الاسرائيلية. فقد كانوا مسلحين وكانوا على صلة وثيقة بضباط الأمن الإسرائيليين. يكفي إجراء إتصال هاتفي لاستدعاء قوات مدججة لتحاصر قرية! وأذكر أنني اضطررت لإخفاء عملي الصحفي، أثناء مقابلة عدد من أصحاب الأراضي المهددة بالتسريب لليهود ضمن صفقات مزورة في قرية كفر ثلث، أشرف على ترتيب المقابلات ، جاسر،  أحد مساعدي الحمد الله في لجان الدفاع عن الأراضي. وقد طلب مني جاسر ،" عند مجيئك للبلد لا تكشف عن هويتك الصحفية ولا تسأل عن اسمي أو بيتي. أطلب من السائق أن ينزلك قرب شجرة الدوار الصغير. ومقابل الشجرة يوجد منزلي ويمكنك تمييزه من بابه المطلي باللون الأزرق. ننتظرك هناك"!
أقلتني سيارة "كابينة" من نابلس الى كفر ثلث. وأثناء السفر، سألني سائقها عن طبيعة عملي ومن سأزور في القرية وأين يقيم؟ تهربت من الإجابة. ولاحظ ذلك واستدرك قائلا، " عفوا. إعتدنا في القرى على توصيل الركاب لمنازلهم. وبعد وصولنا دوار كفر ثلث، شاهدت الشجرة الوحيدة الموجودة فطلبت من السائق أن يقف لأنزل منها. توقفت الكابينة. وقبل نزولي ألح عليّ السائق بالسؤال التالي،" بالله يا أستاذ شو بتشتغل؟" مختلسا نظرة على حقيبتي السوداء التي أضع فيها، عادة،  زوادة وكاميرة ودفترا وقلما وجهاز تسجيل، كانت الحقيبة القديمة تشبه كثيرا الحقيبة التي يحملها عادة مطهرو الاولاد. فقلت وأنا أنزل من الكابينة، " مطهر أولاد!" ونزلت.
وأعرف أن جوابي لم يشف فضول السائق. لكنه مجرد  جواب  مر بخاطري كي أجنب جاسر وزملائه من أصحاب الأراضي أي متاعب أو مخاطر قد يتعرضون إليها من سماسرة الأراضي الكارهين للصحفيين.
 في مثل هذه الأجواء المتلبدة بتهديدات السماسرة المسلحين للمدافعين عن أراضيهم،  ومعوقاتهم للعمل الصحفي كان وحيد الحمد الله  يسهل عمل الصحفيين ويزودهم  بمعطيات دامغة عن أساليب التحايل التي تتبعها الشركات الإسرائيلية كما كان يشجع أصحاب الأراضي المتضررين على البوح بما لديهم من وقائع و معطيات وقصص للصحفيين وكنت واحدا منهم. وكان  يشجع المحامين على التعامل مع وسائل الإعلام المتاحة. ويتابع بإعجاب تصريحات المحامية الشيوعية اليهودية فيليتسيا لانجر الفاضحة لمخططات الاستيطان  ورفضها تقاضي أي أتعاب مقابل متابعاتها القانونية لأكثر من ملف يتعلق بالأراضي الفلسطينية المهددة.
وكان يحرص على الاطلاع بما ينشر. ويسألني ،" شو كتبت يا عاطف؟" وأجيب سأحضر لك  أعدادا من الجريدة في زيارتي القادمة. أو عندما يشطب الرقيب العسكري الإسرائيلي القصة أقول  اضطررنا لإعادة نشرها في جريدة "الاتحاد" الحيفاوية فيردد قائلا،" مش قلت لكم! يريدون سرقة الأرض ولا يريدون أن يعرف أحد بسرقتها للأرض." مش مهم التأخير بالنشر. المهم أن نقول للعالم ولأجيالنا المقبلة ماذا سرقوا وكيف يسرقون وكيف نقاوم مشاريعهم."
 من مثل هكذا لقاءات ومقابلات ومتابعات   وتحقيقات نشرتها صحيفتا "الطليعة" و"الاتحاد"  ومجلتا  "فلسطين الثورة" و"صوت الوطن" وغيرها، عرف المجتمع الفلسطيني  المحلي ، ولاحقا العالم، عن أساليب مافيا الأراضي  القذرة لنهب الأرض الفلسطينية.
وتبقى مجرد أساليب تمت لتحقيق غايات المشروع الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية المحتلة.  وكان الحمد الله ورفاقه قد استشعروا خطورة المشروع الاستيطاني في وقت مبكر. بل كانوا قلقين من أن الوقت لم يكن مبكرا فعلا، كما كان يقول الحمد الله ويضيف في إحدى المقابلات المسجلة في أحد دفاتري الصحفية ،"إننا نصارع الوقت أيضا!" 
حاصرت  قوات الاحتلال منزله وفرضت عليه الإقامة الجبرية  ووضعت دورية مراقبة لحرس الحدود على مدخل البيت الكائن في قلب بلدة عنبتا. وكان أفراد الدورية يراقبون من يدخل ومن يخرج. وأذكر أنني تسللت مرة لدخول البيت المحاصر  عبر الحديقة الخلفية وبمساعدة من نجله عاكف واتفاجأ بأن غيري، من أصحاب الأراضي المراجعين قد سبقني إليه.
وفي أكثر من مناسبة، سمعته يقول لزواره ومراجعيه وبرغم مشاغله الكبيرة والجسيمة في ملف الدفاع عن الأرض الفلسطينية، لا تتجاهلوا "نظافة"  البيئة المحلية.  فكان يناضل من أجل وقف تلوث البيئة في واد الزمر.  وكان منافحا بعناد عن حق طلبة جامعة النجاح بالتعلم وانتظام العملية التعليمية، حتى خارج الحرم الجامعي كما حدث في تموز 1984 وآب 1985 عندما أغلقت سلطات الاحتلال جامعة النجاح لمدة شهرين وأربعة اشهر على التوالي. كان يقول لمراجعيه من الطلبة،" إذا ما أغلقوا الصفوف التعليمية خارج الحرم الجامعي فلنواصل التعليم والمحاضرات في صفوف خارجية. هكذا نجعل الاحتلال يفشل في إجراءاته القمعية ويكسبنا أصدقاء جددا في العالم."
هكذا عرفت وحيد الحمد الله. رحمه الله.  
هامش  
(1) وما برر التوجس والقلق  عند الحمد الله وفي اوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، أنه في عام 1984 وحده، كما ذكرت مجلة "كوتيرت رشيت" الإسرائيلية  تم تسريب 70 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية عن طريق الاحتيال والتزوير".
 ففي مطلع وأواسط الثمانينيات، إنخرطت إسرائيل وحكوماتها المتعاقبة وأحزابها الصهيونية في صراع محموم، ومتهافت على نهب الأرض الفلسطينية  موظفة كل ما لديها من قوة عسكرية ومالية هائلتين لتعزيز وتوسيع المستوطنات اليهودية وبناء أخرى جديدة. وكانت أراضي غرب ووسط الضفة الغربية  المتاخمة للخط الأخضر هي ساحة الصراع لبناء المشروع الاستيطاني اليهودي الكبير. وكانت  لجنة التوجيه الوطني بمختلف قواها وفصائلها وشخصياتها ومؤسساتها الوطنية تقف في منازلة هذا المشروع الرهيب، وأدواته المحلية العميلة، لحماية الأرض من التسريب.
(2) أنظر مجلد الطليعة 8، العدد 391 لسنة 1985

قد يهمّكم أيضا..
featured

القاطرة البخارية ... والثورة الصناعية

featured

كان لنا موعد مع أبي نرجس ولكن....

featured

الصدق في أقوالنا أقوى لنا

featured

بكّير! هلا أبو متعب هلا والله

featured

"شهادات على القرن الفلسطيني الأول"

featured

..الأَحْمَدَيْن،

featured

عَــصرُ اللعنـات الافتراضيَّــة