من حيث لا أدري فكلما دخلت الى قرية برطعة في وادي عارة يقفز أمامي خيال أبي نرجس وهو يحمل حقيبته المدرسية بانتظار من يقله الى مدرسته في برطعة حيث ينتظره طلابه ليعلمهم دروسا في العلم والسياسة وليقص عليهم قصة: المعلم الذي نفي قسرًا الى قرية برطعة من قبل السلطة الظالمة لكونه إنسانا ومعلما وشيوعيا أمميا أحب شعبه حتى النخاع وانحاز الى صفوف طبقة العمال والكادحين،فالرفيق نمر مرقس يعتبر من رعيل الشيوعيين الاوائل الذين تحدوا في أحلك الظروف السجن والسجّان وتصدوا للحكم العسكري البغيض.
عرفت الرفيق نمر مرقس من خلال عضويتي في الحزب الشيوعي والجبهة ومن خلال كتاباته في صحيفة "الاتحاد" اليومية فلمست فيه الصدق والاخلاص للطريق التي آمن بها وفي كثير من المقالات التي كتبها كان يضع اصبعه على الجرح ليترك فسحة للأمل.
كما عرفت أبا نرجس من خلال ابنته روضة زميلتي في كتلة الجبهة في نقابة المعلمين والتي نقلت لي كم كانت فرحته عارمة عندما بعثت لها عبر موقع التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) صورة الشهادة المدرسية لشاعرنا الكبير محمود درويش التي حملت إمضاء أبي نرجس والتي التقطتها في حديقة البروة في رام الله خلال زيارة لوفد كتلة الجبهة هناك.
كذلك عرفت أبا نرجس من خلال محادثة هاتفية له على خلفية مقالة كتبتها في صحيفة "الاتحاد" اليومية مشجعا وداعما قائلا :أكتب يا رفيق...
عصر يوم الثلاثاء عندما كنت أتصفح موقع التواصل الاجتماعي( الفيس بوك) كعادتي، فجأة وقعت تحت نظري جملة "نمر مرقس مُعلم ومَعلم وداعًا " كتبها الرفيق أمجد شبيطة، لم أصدق الخبر! حيث قبل فترة وجيزة نقل لي الرفيق مفيد صيداوي (أبو ابراهيم ) سلاما من أبي نرجس وأنه بصحة جيده، ولم نعلم أن الرفيق نمر قد تدهور وضعه الصحي وأنه أدخل المستشفى، وما هي الا ساعات قليلة حتى وصلت أنا والرفيق أبو إبراهيم الى المركز الثقافي في كفر ياسيف مُعزين ومعَزون.
هذا وفي وقت سابق كنت قد اتفقت مع الرفيق محمد جلال أن نشكل وفدا من جبهتنا المحلية في مصمص لنزور أبا نرجس في بيته ولكننا أجلنا هذه الزيارة الى ما بعد انتخابات الكنيست، حيث كنا على موعد مع أبي نرجس لنزوره ونجلس معه ونتحدث اليه لكن على ما يبدو أن ملَك الموت قد استرق السمع فسبقنا الى أبي نرجس...
لقد كان لي الفخر أن أحرر العدد الاخير من مجلة "التقدم" التي تصدرها كتلة الجبهة في نقابة المعلمين العامة حيث يعتبر الرفيق نمر مرقس محررها الاول والمسؤول تقديرا له على جهوده النقابية وعمله في مجال التربية والتعليم.
رحيل نمر مرقس ذكّرني بقصيدة للشاعر نزار قباني والتي كتبتها على لوحة وما زلت احتفظ بها منذ أن رحل والدي المرحوم عام 1985 والتي يقول فيها القباني:
ضلال.. انا لا يموت أبى
ففى البيت منه..
روائح رب وذكرى نبى.....
أبي.. يا أبي.. ان تاريخا طيبا
وراءك يمشى، فلا تعتب،
لى اسمك نمضى....
ونحن في الحزب والجبهة ونقابة المعلمين نحبك كثيرا وعلى دربك نمشي يا أبا نرجس فأنت حقا سنديانة جذورها عميقة تضرب في الارض التي أحببتها وأقوى من النسيان، شعورنا جميعا أنك بمكانة الأب الحنون والمعلم الأصيل، والعزاء كل العزاء لأسرتك الصغيرة وعائلتك الكبيرة، فطيَّب الله ثراك.
(مصمص)
