يبدو أنّ الآثار المدمّرة للأزمة قد بلغت ما يكفي من الحراجة لكي تفضي إلى شيءٍ من إعادة ضبط النظام الرأسمالي العالمي اقتصادياً ومالياً. وقد يكون من المناسب أن نمتدِح، مع جون ماينارد كينز، هذه القدرة التي يحلو للبعض أن يسميها بكلّ تهذيب البراغماتية، التي "تحمل رجال الدولة والمنظّمون على الحدّ من الانعكاسات البالغة الخطورة الناتجة عن أخطاء الطرائق التعليمية التي أعدّتهم، وذلك بأن يأخذوا بعض المبادرات التي تناقِض إلى حدٍّ ما مبادئهم، ومن دون أن يكونوا من الناحية العملية لا متشدّدين ولا مرتدّين..." [1].
ولْنرَ ونحكُمْ: ففي غضون ثلاثة او أربعة أشهر تقريباً، هم أنفسهم الذين كانوا يستعدّون لإقرار موازنات تقشفيّة [2]، وتشدّداً في السياسات النقدية لتفادي "انعكاسات الدور الثاني" التضخّمي (في الحقيقة زيادة الأجور) [3] ولاستكمال "عملية التكامل المالي أوروبياً" [4]، وصل بهم الأمر إلى سياسة ضخّ سيولة هائلة في النظام المصرفيّ؛ وإلى خفض معدّلات الفوائد إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيّاً (وقد قاموا بذلك بطريقة شبه منسّقة وفوق ذلك تحت ضغط القادة السياسيين)؛ وإلى اختراع هيئات حكوميّة لشراء الأصول المسمومة، وإلى إعطاء ضمانات من الدولة للقروض بين المصارف؛ وإلى أخذ مساهمات "حقيقيّة-مغلوطة" في المصارف، وإلى تأميمها أحياناً (وذلك مع لندن وواشنطن في مقدّمة هذه التحرّكات)؛ وإلى إطلاق برامج إنعاش تتخطّى كلّ الحدود المعقولة (وصولاً إلى إغراق الموازنات في عجزٍ نسبته 10 في المئة في بريطانيا كما في الولايات المتحدة، وذلك للعام 2009 دون غيره؛ وإلى التسبّب بتطيير ميثاق الاستقرار والنموّ الأوروبي، السيّء الذكر)؛ وإلى دعم صناعة السيّارات ماديّاً ومباشرةً (على ضفّتي الأطلسي)؛ وإلى إعطاء التوجيهات، من دون أن يكون لها أيّة مفاعيل، إذ يجب الإقرار بذلك، للحدّ من مكافآت التسريح الذهبيّة لمسؤولي الشركات، وللتخفيف من دفع أرباح الأسهم، وللدفع نحو تصرّفات أخلاقيّة فيما يخصّ خيارات الأسهم stock-options، ووضع سقفٍ لأجور المدراء، إلخ. حتّى أنّ البعض لم يتردّد في طرح احتمال تمويلٍ الديون العامّة الحكوميّة مباشرةً من قبل المصارف المركزيّة.
باختصار، نشهد أمامنا جميع فصول ما كان يدعى هرطقةً اقتصاديّة، تستخدم الآن أمام أنظارنا فصلاً فصلاً. وبالطبع ارتفعت بعض الأصوات منبّهةً إلى ضرورة العودة سريعاً إلى سياسات التشدّد في الموازنات (وهذا ما تمّ أساساً تحت رعاية الاتّحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، في هنغاريا وليتونيا وربما قريباً في رومانيا) أو للتحذير من أيّ محاولة حمائية [5]. ولكن قبل الكلام عن ارتداد، لا بدّ لنا من أن نسجّل أنّ الموجة قد ألقَت على الرصيف بعض حطام العقيدة الليبرالية.
فهل يسمح لنا كلّ هذا بأن نستنتج أنّه: "اليوم أصبحنا جميعاً كينزيّون" [6]. بمعنىً ما نعم.. إذا كان المقصود بذلك أن العصر يبدو مفتوناً بنبش وإحياء علاجات "بابا" كينز، وذلك من أجل صياغة ترجمةٍ شعبيّة، وعلى جناح السرعة، لإجاباته على سؤال "ماذا نفعل في حالات الطوارئ؟". لكن سرعان ما يتبيّن أن عودة الكلام عن الهيمنة الفكريّة لكينز تدخل ضمن إستراتيجية احتواء، إذ أنّ المطلوب هو وضع اسمٍ على كتيبة الاطفائيين الذين استدعوا لإطفاء الحريق... بعد أن أضحت الغابة رماداً.
فإذا صحّ القول "أنّ فنّ الطبخ هو أكثر بكثير من مجرّد الوصفات" [7]، فإن ضبط الرأسمالية هو أكثر بكثير من "كبس أزرار"، انطلاقاً من مبادئ كينز كما يُزعم. وبالتالي فإن إلقاء سجّادة من اليوروهات والدولارات على الجمر لإطفائه، في عالمٍ تمّ تركيبه عبر ثلاثين عاماً من الإصلاحات النيوليبراليّة، هو بمثابة دفع الحبل، بدل شدّه، من أجل لإجبار الحمار على التقدّم. فالسياسات الصناعية ودور النقابات وضريبة الدخل التصاعدية والمساواة في توفير الخدمات العامّة والتنظيم المدني وسياسات الصرف والقواعد الاجتماعية والبيئية في التجارة الخارجية... كانت هي البنى المؤهَّلة، ولكنّها غائبة اليوم، لاستحقاق الإرث الكينزي. وما يجب أن نخشاه هو أن إثارة موضوع "عودة كينز"، تحت وقع الصدمة، من دون التساؤل حول تصوّرٍ للمؤسّسات التي يفترض بها أن توفّر تغطيةٍ له، قد تعني إعداد نعشٍ مقبلٍ له على القياس.
وبمعزلٍ عن الإجراءات المالية على صعيد الاقتصاد الكلّي التي تمّ اتّخاذها من أجل احتواء الانهيار، يجب أيضاً أن نتوقّع محاولات لإعادة تنظيم بنيويّة للأوساط المالية. هذا هو الرهان الرئيسي لاجتماع مجموعة العشرين G20 [8] الذي سينعقد في لندن في أوّل نيسان. فبدرجةٍ أولى يجب عدم التشكيك عند تلمّس الرغبة الإصلاحية لدى الفعاليات الرئيسية في القمة: إذ يبدو أنّه قد تمّت تغطية كلّ أنواع الأضرار التي يمكن أن تسبّب بها عالم المال. فهناك وعودٌ بالتصدّي للجنّات الضريبية (للسرّية المصرفية، وللقواعد الخلفية offshore المعفاة من الضرائب التي توظّف لحماية الأرباح والمداخيل الكبيرة، ولتبييض الأموال في مختلف أنواع التجارة)؛ وهناك طموحٌ لفرض رقابةٍ أكبر على صناديق المضاربة hedge funds؛ وكذلك لإعادة النظر في المعايير المحاسبية (تسجيل الموجودات بقيمتها الحقيقية "fair value") التي كانت قد سرّعت في انهيار المصارف؛ وهناك تفكيرٌ في خلق قواعد جديدة لتحديد احتياطات التأمينات الضامنة في المؤسّسات المالية (وذلك لكي لا تفاقم نزعات التدهور الدورية)؛ وهناك رغبة في إعادة صياغة طريقة تعويضات ومكافآت فاعليات السوق (لكي يأخذوا فعلاً مجازفات "جيّدة")؛ كما يتمّ الاستعداد لضبط عمل وكالات التصنيف بشكلٍ أفضل (وذلك تفادياً لتضارب المصالح)؛ وهناك أمنيات بتعزيز قدرة صندوق النقد الدولي على الإقراض؛ حتّى أنّ هناك كلاماً عن "إعادة إرساء آليّات التسنيد titrisation على أسسٍ سليمة [9]". وللطرافة، وقبل سنةٍ ونصف من اليوم، لم يكن أحدٌ ليلمّ عن الأرض منشوراً صادراً عن أنصار العولمة البديلة يتضمّن هذه العناوين نفسها.
إلا أنّ عدداً من الأسباب تحمل على الاقتناع بعدم إضفاء الكثير من المصداقية بهذه السهولة على النوايا الإصلاحية المزعومة (وبما أنّنا لا نعرف حقّاً... فلنبقَ مرِنين!). السبب الأوّل هو أنّ هذه الفعاليات ليست متوافقة بالضرورة على الورش ذات الأولويّة، ولا على عمق المعالجات التي سوف تقترح، ولا على الاجراءات الممكن اعتمادها. والسبب الثاني هو أنّ هذه المرحلة من الإدارة المؤسّساتية للأزمة بقيت في كل الأحوال ذات طابعٍ ليبرالي جدّاً. إذ تبقى المقاربة مقاربة "إدارة مخاطر"... تلك المخاطر التي لا يكفّون عن التسبب بها. وتندرج سلسلة الاجراءات المرتقَبة في هذا السجلّ، حيث لا بحث في زيادة الشفافيّة ومراقبة أنظمة التحفيز، وضبط قواعد التأمينات المالية، وآليّات الإشراف، وتعزيز حسن الإدارة (للمخاطر)... أي لا هندسة من النوع التقني-السياسي تهدف إلى محاولة استلحاق الانحرافات الناتجة عن سياسات ظلّت ذاتها بالكامل؛ وهي سياسات توليد المخاطر باسم حريّة الاستثمار، التي تحاول فيما بعد تدجين الوحش، بمجرّد أن تجِد أن مخلوقها قد تجاوزها.
ومن وجهة النظر هذه، فإن الحزمة الصارمة من المؤسّسات والقوانين والمعايير والمواثيق التي ستقع على رأس النظام المالي العالمي، لم ينتُج عن عودة إلى "الإغراءات الاشتراكية"؛ فهو ليس سوى مؤشّرٍ لعلوّ القفص الذي يجب بناؤه من أجل عرض نمر البنغال هذا في مدرسة حضانة، أو من أجل عرض مشهدٍ لأولادٍ أكبر: ولنقلْ أن أعمال إعادة النظام التي ستخرج من أعمال الصيانة البسيطة هذه في الوسط المالي العالمي تشبه سِمةً بسِمة ما يطبخه أهلٌ يؤمنون بالتربية الليبرالية إزاء المخاطر غير المحسوبة التي قد يقوم بها أولادهم المراهقون. فإذا وضع ابنك في ذهنه أنّه سينتقل كلّ صباح بين برجي كنيسة نوتردام سائراً على حبلٍ ممدود، فعلى الأقل خذ الإجراءات التالية: أطلب إليه أن يبلغك بدقّة بموعد انطلاقه إلى هناك (شفافية المعلومات)؛ وبأن يتّصل بك عند وصوله ليخبرك بالأمر (تقديم حسابات)؛ وأن يقوم بالتحمّي قبل عبوره، وبألاّ يقوم بذلك إذا حلّ الظلام (إدارة المخاطر بطريقة أفضل)؛ وأن يرفض وجود كاميرات التلفزيون (إعادة صياغة المحفّزات من أجل القيام بمجازفات عقلانية)؛ وألا يتقلّب فوق الحبل لإثارة دهشة المارة (تفادي الحركات شبه الدورية)؛ وأن يقبل بأن يقوم صديق موثوق بلعب دور المراقب (الإشراف)؛ وألا يصطحب أخته الصغيرة (التحكّم بالمخاطر المنظوميّة)... وعندها قد يسير كلّ شيء على ما يرام.
وإذا ما أضحينا اليوم على اطّلاع على ما في السياسات المالية المعاصرة من قدرات على الأذى، فإنّ شيئاً من الغموض يبقى قائماً فيما يخصّ إمكانيات عودتها بالفائدة علينا. هكذا يبدو أنّ الأجوبة الهادفة إلى "إعادة صياغة السياسات المالية العالمية والنظام الاقتصادي بهدف إعادة الثقة" [10] قد سبقت عملية التفكير على الصعيد السياسي في فائدة هذه النشاطات وعلى المصلحة الكامنة في "تعزيزها" أو "تحسينها". ففي اقتصاد شركةٍ خاصّة، ما هي الوظائف الأساسية للسياسة المالية؟ وبشكلٍ عام يقرّ علماء الاقتصاد بأنّ هذه الوظائف هي التالية: تأمين سيولة المدخرات، تمويل الاستثمارات المنتجة، السماح بدفع الأجور والاستهلاكات الوسيطة، تسهيل أعمال إعادة الهيكلة الصناعية، وتغطية بعض المخاطر (معدّلات الفوائد وأسعار صرف العملات) المرتبطة بالتزامات آجلة.
ويفترض بهذا أن يشكّل أساساً لتأمّلاتنا: فما هي أنماط المؤسّسات الفضلى الصالحة لتأدية هذه الوظائف؟... وأخصّ من ذلك: لأيّ جزءٍ من التركيبة الحالية للسياسة المالية نحتاج (فعلاً) اليوم من اجل إنجاز هذه الوظائف؟ من الواضح أن الشروع في هذا البحث الفكري البسيط قد يوصِلنا بعيداً: إنّه قطاع أعمالٍ بأكمله، يوظّف مئات الآلاف من الأشخاص في العالم، ويجنّد قسماً لا يستهان به من العقول ويستأثِر بنسب غير متوازية من الإيرادات الكليّة (الأرباح والأجور المرتفعة جدّاً معاً)، يجب عليه أن يبرّر فائدته الاجتماعية. ومن أجل ذلك، وبما أن الأجواء قد تغيّرت، من الممكن ألاّ يبقى المدافعون عنه قادرين على التمتّع بامتيازهم العادي في عكس حجّة البرهان، الذي تضفيه في الحقيقة عليه... قدرته على الأذى.
* اقتصادي، أستاذ في جامعة ليل-1. آخر كتبه Pas de Pitie pour les Gueux, Raison d’agir, Paris, 2000.
هوامش:
[1] من حديثٍ لجون ماينارد كينز أذيع على الراديو في خريف العام 1934 ونشر في ما بعد في: The Listener (Londres). Traduction française in Keynes, Pauvreté dans l’abondance, Gallimard, Paris, 2002.
[2] في أيار عام 2008، زعم رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيّون أنّ التوازن سيعاد إلى الحسابات العامة في العام 2012.
[3] في 4/9/2009 عبّر السيّد جان-كلود تريشيه، محافظ المصرف المركزي الأوروبي عن "خشيته الكبيرة جدّاً من رؤية ظهور انعكاسات الدورة الثانية تعمّم بشكلٍ يزيد من حجم التضخّم" وذلك لكي يبرّر رفض البنك المركزي الأوروبي خفض معدّلات الفائدة التوجيهية.
[4] عملت المفوّضية الأوروبية (وليس هذا سوى مثل من بين أمثلة عديدة) على إنضاج المشروع في العامين 2005 و2007 الهادف إلى إنشاء سوق أوروبية موحّدة للقروض العقارية.
[5] إقرأ تصريحات زعماء مجموعة العشرين في واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2008؛ وراجع: سيرج حليمي: اجتماعٌ لمجموعة العشرين عديم الفائدة، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الأوّل 2008، http://www.mondiploar.com/article23...
[6] كما جازف بالسؤال مارتن وولف، رئيس فريق الاقتصاديين السابق في البنك الدولي والمحرّر البارز في الفاينانشل تايمز. صحيفة "لوموند في 6/1/2009.
[7] في استعادة لعنوان كتاب أحد الاصلاحيين:Alain Chapel, Robert Laffont, Paris, 1996.
[8] وتتمثل فيها: جنوب إفريقيا وألمانيا والسعودية والأرجنتين وأوستراليا والبرازيل وكندا والصين وكوريا الجنوبية وإسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان والمكسيك وهولندا وروسيا والجمهورية التشيكية (التي تتولّى حالياً رئاسة الاتّحاد الأوروبي) وتركيا.
[9] لكنّه، بحسب السيدة كريستين لاغارد، وزيرة الاقتصاد والصناعة والعمل الفرنسية، يقتضي الأمر فقط "أن تحتفظ المصارف بقسم من مجازفات القروض التي تسنّدها، 5 في المئة مثلاً" راجع صحيفة:Les Echos, Paris, 13 mars 2009.
[10] الموقع الرسمي لقمّة لندن: www.londonsummit.gov.uk
