ألذكرى السنوية لرحيل المربي زهير الفاهوم

single

قهوة الصباح في انتظارك!
لا تتأخر علينا!



• جنينة أبو ماهر..ملتقى الأحبة والأصدقاء والأدباء!


- أين نلتقي هذا المساء؟
- في "الجنينة"!
- وأين يكون لقاؤنا غدًا؟
- عند العمّ أبو ماهر..في "الجنينة"!
**


ألزمان:  الستينات من القرن الماضي..

ألمكان:  جنينة "أبو ماهر" التي كانت، وما زالت، مجمع الخلان. وكانت مَعلمًا بارزًا من معالم المدينة كعين العذراء..عندما كانت عينًا وكانت عذراء..
جميع ألوان الطيف الاجتماعي والثقافي والسياسي والتعليمي تؤم هذه "الجنينة"..وتحطّ فيها رحالها!
فالـ"جنينة" ماركة مسجلة!
هي والناصرة توأمان سياميان!
**
شعب مثخن بالجراح النازفة..خارج من بين الأنقاض والخرائب..ينفض عن كاهله رماد النكبة..فينهض كالعنقاء..وعيونه على المستقبل!
في "الجنينة" تُنصب "الموائد الثقافية" التي تزيّن المدينة!
يشارك في تشكيل المشهد معلمون كبار كانوا جزءًا من المشهد التربوي والتعليمي في مدينة الناصرة..ومعظمهم أنهَوا الصف الثامن الابتدائي قبل عام النكبة..ثم تابعوا المسيرة، بعد النكبة، في بناء الأجيال!

أما البعض الآخر من المعلمين الكبار فقد لملموا جراحهم ويمّموا شطر "الجنينة"..فتكرّم العم أبو ماهر وخصص لهم جناحًا خاصًا..كان المأوى والمتنفَس لتضميد الجراح النازفة التي أبدعتها النكبة..
وما إن يُفتح باب الجناح..حتى تفتح "طنجرة الضغط"..ونطل منها على سماء الغرفة..فنرى غيومًا بيضاء كثيفة..وحلقات من الدخان تتصاعد من لفافات التبغ "التتن العربي" المهرَّب والغلايين الأجنبية التي عاصرت عصر الانتداب الغارب..
  يعبق الجو برائحة التمباك الإنجليزي "إيرين مور" والسجائر الوطنية الرخيصة "عايدة"..وتقع عيوننا على معلمين يقفون أمامنا في غرف التدريس في ساعات الصباح..وفي ساعات العصر والمساء..نرى الشخصيات نفسها شخصيات أخرى..نلمح  لاعبي النرد وأوراق الشدة وأبا نواس يدور على فتية أبى الزمان أن يدين لهم..فأصابهم ما أصابهم!
 يغصّ الجناح بهؤلاء..وتنفلت بعض الشتائم التي تلعن أبو هذا الزمن..الذي أصبح فيه الديك..أبا علي!
**


• ألمائدة الثقافية..والجيل الصاعد


عدسة الكاميرا تتنقل من مائدة إلى أخرى في الحديقة الجميلة المشرفة على عين العذراء..فتحطّ على "مائدة" لها نكهة مميزة!
هنا..قف!
تتوقف العدسة عند المائدة الثقافية الأخرى..
يجلس إلى هذه المائدة شعراء وأدباء ومثقفون معروفون شكلوا الخارطة الأدبية..وتحتل إبداعاتهم الصفحات الأدبية في الصحف المحلية التي تلعب دورها في تشكيل المشهد الأدبي بكل مركباته، يمينًا ويسارًا ووسطًا،  في هذا الوطن!
وتنضم إلى هذه "المائدة الثقافية" مجموعة من الأصدقاء والأحبّة الذين لم يمض على تخرجهم أيام معدودة..نفضوا عن كواهلهم غبار الامتحانات النهائية..وتدفقوا جماعات جماعات ليلتقوا يوم يوم في حديقة "أبو ماهر"!
لقد خرج السجين من "القفص التربوي"..ليتنفس الصعداء ويعانق شمس الحرية! يجتمع الأحبة إلى هذه "المائدة" ذات النكهة المميزة التي تختلف عن باقي "الموائد" في الحديقة..
إنهم طلاب ثانويون طموحون يعشقون المغامرات السندبادية في بحار المعرفة..ويقتلهم الفضول للكشف عن عوالم ثقافية غابت عن عالمهم..ويتمتعون برغبة جامحة للتعرف على من يكبرونهم سنًّا وعلمًا وثقافة..ليفتحوا أمامهم الشرفات على حدائق المعرفة..
لقد طمحوا إلى التمثل بهؤلاء "الكبار" والسير على خطاهم التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة!
وتتحول "المائدة الثقافية" إلى حلبة أدبية ثقافية سياسية اجتماعية تتصارع فيها الأفكار والآراء والأذواق والتحليلات النقدية والسياسية والفلسفية التي تطمح لأن تكون رصينة وجدّية..ولا تخلو من آراء وطروحات عميقة أحيانًا..وسطحية أحيانًا أخرى!
**


• في هذه "الحديقة الثقافية"..كان اللقاء الأول!


كان لقاء قصيرًا وعابرًا..غير أنني كنت أشعر دائمًا بأكثر من رباط خفيّ يربطني به ويشدني إليه.
ثم اكتشفت سر هذا الجاذبية..إنه الحلم المشترك الزاخر عشقًا وحميميةً:
عشق اللغة العربية..لغتنا القومية..وحرارة الانتماء إلى التاريخ العربي والقضية الفلسطينية..تحت ظل المدّ القومي الذي رفرفت في سمائه رايات الناصرية!
كنتُ طالبًا وكان معلمًا كبيرًا على ظهر خيله. وكان جيلنا ينظر برهبة واحترام لمن هم أكبر منّا سنًا ومكانةً وثقافة ومعرفة..والذين يشكلون خارطة التربية والتعليم في مدينة الناصرة والقرى المجاورة..ويعملون في ورشة بناء الأجيال الصاعدة من رماد النكبة والتي تتطلع إلى غد أفضل.
لقد أحببنا أن نناقشهم ونجادلهم بما أوتينا من معرفة..
وأحببنا أن نتحداهم!
وأحببنا أن  نتمثل بهم ونسير على خطاهم!


• عين ساهرة..وعيش وملح..وبصمات خضراء!


ففي خطواتي الأولى على طريق التعليم..تعرفت إليه. ولم نلتق إلا لمامًا!
 ولم تتوفر الظروف الموضوعية والحياتية التي تسمح بتعزيز أواصر العلاقة والتواصل فيما بيننا. غير أنني كنت أتابع باهتمام مسيرته على الجبهة التعليمية والتربوية..وكنت أراقب عينه الساهرة على اللغة العربية..ووقوفه بالمرصاد لحراسة صرفها ونحوها..وتقويم عثراتها ومشاغباتها..وانتهاء "بتأديبها" وتصحيح مسارها..ووضعها على الصراط المستقيم..
وقد ربطتني وما زالت..علاقات حميمة وقديمة ونبيلة اجتماعية وفكرية ووجدانية وأهلية مع عدد كبير من الإخوة والأخوات وأفراد العائلة والأقارب والأهل..وأقرب المقربين إليه في هذا الوطن..وخارج الوطن!
فالأهل أهلي وأحبتي..وبيني وبينهم عيش وملح..وذكريات تثير في قلبي شجنًا  وحنينًا إلى ماض مضى!
وأعرف من أصدقائنا المشتركين ومن الأجيال التي علمها..وساهم في تكوين شخصيتها..وترك بصماته على مسيرتها..أعرف أنها تدين له بالشكر والعرفان..ولن تنساه ما دامت دماء الحياة تهدر في عروقها.
**


• ألرجال صناديق مقفلة!

وكان رجلا!
فقد كان محطّ ثقة جميع أصدقائه وجميع المعلمين الذين عملوا معه..وإذا قلب الدهر لأحدهم ظهر المجنّ..كان "أبو العبد" الملجأ الأمين..يفزعون إليه..فيودعونه أغلى ما لديهم من أسرار ومشاكل شخصية وعائلية..وهم على ثقة بأنهم سيجدون عنده طوق النجاة..ليوصلهم إلى شاطئ الأمان!
ويفتح الرجل يدًا حاتمية ينهلّ منها العطاء بألوانه المختلفة..ماديًّا ومعنويًّا!
أمور لم نكن نعرفها..وغابت عن الكثيرين!
إلى أن كان الغياب!
فبعد غيابه..تكشف الكثير من الأسرار التي أبى عليه كرم الأخلاق  أن يصرح بها إلى أقرب المقربين إليه! كانت تتم بهدوء بعيدًا عن الأنظار..بلا ضجيج ولا أضواء..حفاظًا على كرامة العباد وصونًا لحرمة الأسرار!
كانت العلاقة بين اليدين تصل إلى حد القطيعة..فلكل عالمها..ولا تتدخل الواحدة بشؤون الأخرى!
لم تكن اليد اليسرى تعلم شيئًا من "أسرار" اليد اليمنى!
ونادرًا ما كانتا تلتقيان!
وإذا صادف أن التقت الأولى بالثانية..سألتها:
- يبدو لي أنني أعرفك..لقد التقينا ذات مرّة!..أين؟
- لا أذكر!
**
فالرجال صناديق مقفلة!
وكان "أبو العبد" رجلا!
**

• يحكي الأصدقاء والجيران حكايا..


لقد فتح صدره وقلبه لأهل الحي والأحبة..وكان بيته موئلا يؤمه المحبّون والأقرباء والأصدقاء من جميع ألوان الطيف!
 روى لي الأهل حكاية  فولكلورية طريفة..عزّ نظيرها!
فلن تخرج العروس من الحيّ إلا بعد أن تُعمّد قدميها في عتبة البيت المبارك!
عرائس الحي من مختلف الألوان والمشارب..أهلا وجيرانًا وأصدقاء وأقارب..لا بد أن يضعن على أعناقهن الوسام..إشارة لبدء الانطلاق!
ويقسم رب البيت..أن لا ينطلق الموكب إلا من هذا البيت!
وتخرج العروس من هذا  البيت المبارك..وفي حقيبتها "جواز السفر" إلى العشّ المبارك!
وتزداد البيوت العامرة..بيتًا عامرًا آخر!
**


• قيس ويمن..في ساحات المدينة وحواريها!


ورغم الخميرة الطيبة والأصيلة لدى معظم أبناء شعبنا..فإن الأمر لم يخلُ من سلوكيات  حافلة بالعصبيات القبلية والجاهلية الحديثة..التي لا تشرّف شعبنا أبدًا!
فقيس ويمن..وداحس والغبراء..ما زالت تهدر في عروقنا..وما زالت تجري وتتناطح وتتشابك و"تتكابش"..وتسمم الأجواء النقية في ساحات المدينة المقدسة!
هل سمعتم عن "الطوشات" والخلافات والمناوشات والمكابشات التي كانت تندلع لأتفه الأسباب..والتي استعمل فيها السلاح الأبيض والأسود والأبجم؟!
إنها الجاهلية الحديثة "القديمة" بأجلى مظاهرها!
وتغصّ قائمة الضحايا  بزينة الشباب في المدينة!
ولطالما وقفت بنا غيلان الجاهلية السوداء على شفا الهاوية..فكادت أن تودي بنا.. وأوشكت أن تحدث خللا في النسيج الاجتماعي المتين بين أبناء العائلة الواحدة والحارة الواحدة والبلد الواحد!
فينتصر التراث الجاهلي..وينتصر قيس ويمن..وعبس وذبيان..ويكاد شعبنا يصاب بالاختناق حيال هذا الغبار الجاهلي!
كان أبو العبد يقف في طليعة موكب الخير الذي ينبري لوقف النزيف..وإصلاح ذات البين..بين عبس وذبيان..وقيس ويمن..
بعد أن يؤدي الرسالة..يستطيع أن يأوي إلى فراشه..وينام آمنًا مطمئنًا..
فقد عاد النهر الأزرق ينساب في مجراه الطبيعي!
وعاد الأهل في المدينة.. ينهلون من "نبع الصفا"!
**


• يقف الناطور راصدًا حركة التاريخ!


يتخندق في قلعته..ويحمل المنظار..فيتتبع حروب الفرنجة الاستعمارية التي أنشبت مخالبها في لحم أرضنا الطيبة..
ويسلط الضوء على طلائع الموكب..فينثر الأرز على رؤوس الجبال في حطين..ويعلق إكليل غار على هامة العملاق الأسمر صلاح الدين الأيوبي..منقذ كرامة الأمّة من "خطايا" التاريخ!
**

• خالد الفاهوم في عاصمة الأمويين!


يجلس أبو العبد إلى ضوء قنديل الذكريات بعيدًا عن أضواء المسرح..وإلى جانبه رئيس المجلس الوطني الفلسطيني في عاصمة الأمويين..خالد عبد المجيد الفاهوم..
في حقيبة خالد "أمانة"!
تُفتح خزانة الذكريات..ويروي حكايات نعرف بعضها وغابت عن "ذاكرة" الأجيال الصاعدة ذكريات أخرى كانت مختبئة في خزانة التراث والتاريخ!
ويسلم خالد عبد المجيد الفاهوم إلى أخيه زهير عبد المجيد الفاهوم "الأمانة"..وتنفتح شرفات الذاكرة لتطل على صفحات من  الأحداث والتجارب والنضالات..فتكون شعلة تسير على هديها الأجيال الصاعدة!
**


• أللغة العربية وتاريخ العرب..والهوية القومية!


لقد أحبه طلابه واعتزوا به معلمًا فتح شهيتهم على عشق اللغة العربية والحرص على دقتها وتبيان مواطن الجمال فيها. كما آلى على نفسه إلا أن يزيل الستار عن الخبايا المغيّبة في تاريخ العرب وتاريخ القضية الفلسطينية التي غابت عن المناهج الرسمية.
هذان الموضوعان..كانا وما زالا..الركن الأساسي الذي  تقف عليه الهوية القومية!
كانا وما زالا..في دائرة الاستهداف!
والسهام ما زالت مصوبة!
وأما الحراس فساهرون..وأصابعهم على الزناد!
**
يكفيه فخرًا تلك المحبّة الغامرة والعرفان بالجميل لعطائه الحاتمي في خدمة الأجيال الصاعدة نحو شواطئ الأفضل.
يكفيه فخرًا كتابه الموسوعي عن تاريخ القضية الفلسطينية..عن وطن الآباء والأجداد الذي تعرض إلى عملية سطو تاريخي تمّت في عزّ النهار..والناس نيام!
يكفيه فخرًا أنه أعطى لشعبه هذه الثروة التي تشكل "كاشف الألغام" لما زرعه الآخرون في حديقتنا لتفجير الحلم الفلسطيني..
يكفيه فخرًا أنه نصب أمامنا لافتة تحمل مثلثًا أحمر زُرعت في قلبه شارة إنذار..تنبهنا إلى ضرورة استخلاص العبر من جرح تاريخي ما زال ينزف..كي يجنبنا الوقوع في "خطيئة" تاريخية أخرى..وكي لا نجد أنفسنا عالقين في شَرَك تراجيدي جديد..
**


• ويظل يشرب معنا، قهوة الصباح..


إن شعبنا والأجيال الصاعدة مدينون للغائب الذي لا يتقن الغياب..ويظل حاضرًا في الذاكرة والوجدان..ويظل يشرب معنا، قهوة الصباح..
**
فإلى جنان الخلد يا أبا العبد..
أنت  - أيها الحبيب- باق في الذاكرة والوجدان..
وأنت عصيّ على النسيان..
سنذكرك دائمًا!
وسنظل نلتقي كل صباح..ننبش كنز الذكريات الجميلة..ندردش معًا..ونشرب معًا قهوة الصباح!
لقاؤنا غدًا..في "الجنينة"..عند العمّ أبو ماهر!
وداعًا..وإلى اللقاء!
فلا تتأخر علينا!
**
وإلى الأخوات الكريمات ألسيدة سهاد (أم العبد) والعزيزات أروى وأماليد وخلود ولميس وإلى أهلي وأحبتي..آل فاهوم وآل عون الله وجميع المحبّين..أُلهمتم الصبر والسلوان وحسن العزاء..
**

قد يهمّكم أيضا..
featured

البنية التحتية لفاجعة عكا!

featured

كلمة وفاء بحق القائد الراحل جمال طربية

featured

المقولة التي "أعدمت" شكري بلعيد

featured

رئيس الائتلاف الفاشي!

featured

رفض الاستيطان، حق وواجب!

featured

هاشم محاميد يرحل كطيور أيلول

featured

من ذكريات شيوعي مخضرم