كلمة وفاء بحق القائد الراحل جمال طربية

single

كان ذلك في الثامن من شهر شباط سنة 1976، وفي ضحى ذلك اليوم عندما هرع الفلاحون وأعضاء المجالس المحلية والرؤساء الثلاثة في قرى سخنين وعرابة ودير حنا، جمال طربية ومحمود نعامنة ومحمد حسين، ليلتقوا في اجتماع حاشد في قاعة المدرسة الثانوية في سخنين تلبية لنداء رئيس واعضاء مجلس عرابة المحلي، الذين سارعوا وبادروا لعقد اجتماع تشاوري للفلاحين اصحاب الارض ولرؤساء واعضاء المجالس المحلية الثلاثة، لبحث الخطوات والاجراءات اللازمة والضرورية لصد غول المصادرة الذي بات يهدد بالتهام ارض المل في اعقاب تصريح وزير "الأمن"، الذي اصدره في 2/25 من ذلك الشهر والذي اعلن فيه وبصراحة غير قابلة للتأويل عن نيته مصادرة الارض في منطقة "9" حسب القاموس العسكري، ارض المل في قاموس الفلاحين، والتي تعود ملكيتها للفلاحين والمزارعين في القرى الثلاث، والتي تبلغ مساحتها 17 ألف دونم.
بداية ساد الاجتماع الهرج والمرج وعندما وقف المرحوم محمود نعامنة يعرض الموضوع على الجمهور موضحا خطر المصادر مقترحا اتخاذ الاجراءات السريعة والخطوات الناجعة والصائبة لرد خطر المصادرة، تباينت الآراء في اتخاذ الخطوات بين اقتراح الاضراب الذي قدمه المرحوم محمود نعامنة، وبين اقتراحين آخرين، الاعتصام في الارض والاقتراح الثالث الذهاب الى محكمة العدل الدولية اشتد النقاش واحتدم، بذلت جهود جبارة وكبيرة لاقناع جميع الاطراف حول اقتراح الاضراب وفي غمرة ذلك النقاش الحاد والمعارضة الشديدة لفكرة الاضراب، وقف جمال طربية شامخا واثقا من نفسه كالطود، وابتسامته العريضة تغمر محياه، ليحسم النقاش وليضع حدا للفرقة والخلافات والشرذمة، ليعلن موقفه الصارم والصريح وبقناعة اختمرت في وجدانه وتجذرت في ثناياه ليقول كلمة القول الفصل: نعم الاضراب ولا شيء غير الاضراب.
وبهذه الوقفة الوطنية الجريئة حسم النقاش فصفق له الحضور، كل الحضور، وكان جمال مركز الثقل في الموضوع لدور سخنين وأهلها الفلاحين ولما له من تبعيات وأثر على مجرى الاحداث، فتبادل الجميع القبل وموجة من التصافح اجتاحت الاجتماع وغرق الحضور ببحر من الابتسامات التي غمرت الوجوه وطالت الفرحة كل المشتركين، وبهذه الوقفة الجريئة الوطنية كان جمال قد مهد الطريق لاكمال المشوار نحو الاضراب.
وفي مشهد آخر من مسلسل التآمر لمصادرة أرض المل يشهد له التاريخ والرفاق والاصدقاء عن موقف شجاع وجريء وطني وصادق، كان ذلك يوم 3/25 عندما دعت السلطات لعقد اجتماع لرؤساء السلطات العربية في البلاد في مدينة شفاعمرو، وفي قاعة بلديتها بغية استصدار قرار ضد الاضراب. دخلتُ القاعة مع الرؤساء لغلطة من الضابط كاتسمان ضابط شرطة مركز سخنين، الذي احتسبني حارسا للرفيق القائد الراحل توفيق زياد، جلس جمال طربيه وامين عساقلة بجوار الرفيق توفيق زياد وامين عساقلة نائب رئيس مجلس المغار المحلي، كان في الاربعين من عمره طويل القامة، ممتلئ الجسم، مفتول العضلات وعريض المنكبين. بدا الجو مشحونا وصاخبا، وكثر الهرج والمرج، وضجيج افتعله احد رؤساء المجالس المحلية. آنذاك كنت اقف مع رجال الشرطة عند مدخل القاعة لنشاهد تحركات الرؤساء، وكنت اشاهد الضابط كاتسمان وهو يرمي جمال طربيه بنظراته ويسلطها عليه تلك التي كانت تقدح شرا، وتتقد غضبا، عسى لها ان تفُتّ من عضده، وتثنيه عن موقفه الشجاع الذي ما انفك يجاهر به منذ دخوله القاعة، ردا وتحديا لمواقف المتخاذلين من بعض الرؤساء. وكان جمال عصيًّا لا يزيده العنف الا عنفوانا، يصرخ نعم للاضراب بحماس منقطع النظير، وكأني به كان يناكف رجال الشرطة والضابط كاتسمان، وعندما حاول احد المتخاذلين الاعتداء جسديا على الرفيق توفيق زياد. انطلق امين عساقلة كالباز وجمال طربيه كالباشق يصدان المتطاول. فتعاملا معه بلطف وبالتي هي احسن فهوى عن الطاولة التي اعتلاها وسقطت كوفيته على الارض عندها ساد الهدوء القاعة وسنحت الفرصة لاجراء عملية التصويت علنا والتي تمخضت عن ستة رؤساء ونائب رئيس مع الاضراب، كانت يد جمال مرفوعة تعانق السماء. عندها وقف الراحل توفيق زياد وخاطب المتخاذلين الـ35 رئيسا: "انتم لا تساوون شيئا، الشعب قرر الاضراب".
هكذا كان جمال، عاش اصيلا مبدئيا، تحدى الارهاب في الـ 25 من آذار وتحدى الارهاب يوم تشييع الجثامين عندما ارادت السلطات دفنهم بدون جنازات، اثبتت الايام انه كان قائدا سموحا، ضحوكا، معطاء، أنيسا في الجلسات، شهما، كريما، صال في المعارك الانتخابية، وجال في المعارك الاجتماعية، وثيق الصلة بالناس، فاحبهم واحبوه، غني المعرفة، كثير المعارف، ذكيا مخلصا.
نم قرير العين أبا أدهم، وستبقى ذكراك خالدة في وجداننا، محفورة في أذهاننا، وفي خلجات قلوبنا، وبصماتك راسخة، ودعناك بقلوب فاجعة، وعيون دامعة، فالى جنة الخلد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حل السلطات المحلية مخطط سلطوي لنهب الارض

featured

ثقافة الانتخابات والعودة الى البيت

featured

عبد الناصر وثورة 23 يوليو

featured

الأكراد في العرق والعدل الاجتماعي؟

featured

موازنة غير متوازنة

featured

لكسر الحصار

featured

جمعية رجفيم والشيطان الرجيم