من ذكريات شيوعي مخضرم

single

لقد سقط سهوا من كتابي "ذكريات شيوعي مخضرم" ثلاثة أحداث هامة من نضالات الحزب الشيوعي، تدلّ على الدور الكبير والأساسي الذي لعبه في حماية الجمهور العربي في وطنه من الظلم الذي كان موجّها ضدّه، بعد أن عجزت السلطات عن طرده.

* الحدث الأول:

   هناك شارع في مدينة "حيفا" اسمه "شارع عبّاس"، قاطنوه جميعهم من العرب. هذا الشارع قائم منذ زمن "الإنتداب البريطاني"، في أجمل المواقع في حيفا، على سفح جبل "الكرمل"، حيث يشرف على مينائها.
   بعد فترة قصيرة من احتلال "الهاغناه" لمدينة حيفا قامت مجموعة من مدنيين، وجنود مسرّحين
يهود بالهجوم على "شارع عبّاس"، وأخذت باخراج السكان العرب من بيوتهم، وقذفهم مع امتعتهم الى الشارع، وإدخال سكان يهود مكانهم.
   عندما وصل الخبر الى فرع الحزب فى حيفا تجنّد حالاً عشرات من الرفاق، عربا ويهود. واندفعوا الى المكان، حيث قاموا بمهاجمة المعتدين، واخراجهم بالقوة، مع امتعتهم من البيوت التي قد نجحوا باحتلالها، ثمّ أعادوا سكانها العرب اليها.
   لقد استمرّت المعركة ساعات طويلة، ممّا اضطرّ (أبا خوشي)، رئيس بلدية حيفا، في حينه، وأحد 
 زعماء حزب "مباي" البارزين سابقا، الى التدخّل، فهاتف "دافيد بن غوريون" رئيس الحكومة آنذاك، وطالبه بايقاف الإعتداء حالاً، مهددا بالاستقالة من رئاسة البلدية اذا لم يفعل. عندها اضطرّ "بن غوريون" أن يأمر باخراج المعتدين حالاً. وهكذا تمكّن الحزب، ورفاقه في حيفا من حماية سكان "شارع عبّاس"، وابقائهم في بيوتهم.
   كلمة حقٍ تقال: كان (أبا خوشي) زعيما معتدلا، ولم يكن معاديا للعرب. وللدلالة على ذلك أذكر
الواقعة التالية: ليلة احتلال "الهاغناه" لحيفا أرسل (أبا خوشي) سيارة، مع مكبّر صوت، جابت شوارع الأحياء العربية، داعية السكان الى عدم الرحيل، ومنادية بامكانية العيش المشترك بسلام.
لكنّ استمرار إمطار "الهاغناه" للأحياء العربية بالقذائف والرصاص لم يترك امام الأكثرية من سكانها مجالاً للبقاء .

* الحدث الثاني:

في أواسط سنة 1949 طرد "الحكم العسكري" حوالي ثلاثين مواطنا من قرية "الرامة" الجليلية
خارج الحدود، بالرغم من أنهم كانوا مسجلين في سجلّ السكان؛ فأسرع فرع الحزب في الرامة الى تبليغ مركز الحزب بذلك، عندها قام عضو "الكنيست" الرفيق توفيق طوبي باثارة القضية في "الكنيست"، وهاجم "بن غوريون"، رئيس الوزراء في حينه، بشدّة؛ متّهما إيّاه بمحاولة طرد العرب من البلاد. ونتيجة للضجة التي ثارت في "الكنيست" اضطر "بن غوريون" أن يقول للرفيق توفيق طوبي: "اطلبوا منهم أن يعودوا"، وقد عادوا جميعا.

 

* الحدث الثالث:

في انتخابات "الكنيست" الثانية، سنة 1951، تبيّن أن هناك مئات من الناخبين العرب من قرى "الشاغور" لم تدرج أسماؤهم في سجّل الناخبين، وأنا من بينهم. فقام رفاق الحزب في قرية "البعنة" بحملة تواقيع، وبعد بذل جهودٍ كبيرة نجحوا بجمع تواقيع ما يقارب المئتين والثمانين شخصا ممّن سُلبوا حق الإقتراع؛ وكانوا من القرى التالية: البعنة، دير الأسد، مجد الكروم، (مع العلم أنّ
العشرات لم يجرؤوا على التوقيع). وقد سُلّمت هذه التواقيع للمحامي الرفيق حنا نقّارة( الذي كان يُلقّب بـ "محامي الشعب")، فقام برفع قضية للمحكمة المركزية في حيفا.
   في الجلسة التي عقدت بهذا الخصوص حضرنا أنا، وحسن بكري وآخرون، كممثلين عن المشتكين.
وقد ترأسها رئيس المحكمة القاضي (أزولاي)، وهو يجيد العربية كأهلها. في المحكمة وقف وكيل النيابة ممثلاً عن وزارة الداخلية، وادّعى أن الأسماء التي لم تُدرج في سجّل الناخبين هي لأشخاصٍ قد عادوا الى البلاد(من لبنان) بطريقة غير قانونية. ومع أن بحوزتهم "هويّة مدنية"، إلاّ أنها لا تعطيهم حق المواطنة، والاقتراع للـ"كنيست"؛ فهي تعطي صاحبها، فقط، حق الإقامة الدائمة،(أي أنه مثل أي أجنبي مقيم في البلاد. ن.م)، ولهذا لم ترد أسماؤهم في سجّل الناخبين؛ بعد أن أنهى وكيل النيابة مرافعته جاء دور المحامي حنا نقارة؛ فقال: " أنّ ادعاء وكيل النيابة لا يستند الى أي قانون إطلاقا؛ إذ أنّ هؤلاء المشتكين قد عادوا الى بلادهم، والعائد الى بلاده ليس بحاجة الى موافقة من أحد. فعلى سبيل المثال: إذا أراد المواطن البريطاني القاطن في الهند أن يعود،
يوما، الى بريطانيا هل يكون بحاجة الى تصريح من أحد؟ (وكانت الدولة، في حينه، لا تزال تعتمد القانون البريطاني). هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى: ليتفضّل وكيل النيابة ويخبرنا، أين يقيم السفير الاسرائيلي في لبنان؛ كي يتوجّه اليه هؤلاء الأشخاص لطلب تصريح بالعودة؟!...".عندها
نظر القاضي الى الرفيق حنا نقّارة بتمعّن، وسأله: "يا أستاذ حنا ... تريد مني، الآن، أن أعطي قرارا بموجبه يحق لكل اللاجئين العودة الى البلاد؟!...".فأجابه الرفيق حنا نقّارة: "إذا كنّا دولة قانون ... فهكذا ينصّ القانون". عندها رفع القاضي الجلسة، ودخل الى غرفته. وبعد فترة عاد وهو يحمل قرارا بيده، وأخذ يتلوه على الحاضرين موضّحا الاعتبارات التي اعتمدها. قال الكثير والقليل
(بلغتنا العامية , لفّ ودار... ن.م). وفي النهاية أقرّ بحق جميع المشتكين بالاقتراع. إنّ هذا القرار
لم يخدم المشتكين وحدهم فقط، بل خدم الآلاف أمثالهم لكونه سابقة قضائية. بعدها جاء دور المحامي حنا نقّارة، حيث أنّ أسمه، أيضاً، لم يكن مدرجا في سجّل الناخبين لنفس السبب الذي
قُدّم في القضية الاولى. عندها استشاط القاضي غضبا، ووجّه كلامه الى النيابة: "أنتم لا تخجلون!
زميلٌ لكم، ويرافع في جميع المحاكم، بما فيها "محكمة العدل العليا"، وتأتون الآن لتقولوا بأنّه ليس مواطنا...! بعدها قررّ، طبعا، ادراج اسمه في سجل الناخبين.
   بعد قرار المحكمة، الآنف الذكر، سنّت "الكنيست" "قانون الجنسية"، مُقدما من قِبل الحكومة. لقد كان هذا القانون خطيرا جدا على الجماهير العربية...فمثلاً، من أحد بنوده، أنّ كلّ من لم يكن موجودا في أواسط سنة 1948، (لا أذكر التاريخ بالضبط)، في مناطق ذُكرت في القانون- منها الجليل- هو ليس مواطنا؛ حتّى ولو كانت في حوزته "هوية مدنية". والمفارقة هنا أنّ هذه المناطق لم تكن تحت السيادة الاسرائيلية في التاريخ الذي جاء في القانون، وانّما كانت تحت سيطرة "جيش الانقاذ".
   في سنة 1952 قرّر الحزب الشيوعي ارسال الرفيق جمال موسى الى الإتحاد السوفييتي، ممثلاً عنه في احتفالات "أول أيار"؛ فقام بتقديم طلب للحصول على جواز سفر من وزارة الداخلية؛ إلاّ أنّ طلبه رُفض بحجة أنّه لم يكن موجودا في "البعنة" (أي في "الجليل") في التاريخ الذي ورد في "قانون الجنسية". فما كان من جمال إلاّ أن رفع قضية الى "محكمة العدل العليا" بواسطة المحامي الرفيق حنا نقّارة؛ بعد مرور وقت يسير عقدت المحكمة جلستها للبتّ في القضية، (وكانت برئاسة ثلاثة قضاة)، ونظرا لأهمية الدعوى فقد رافع، نيابة عن وزارة الداخلية، المستشار القضائي للحكومة(زمير)، عندما أعلن عن افتتاح الجلسة وقف الرفيق حنا نقّارة، وطلب حق الكلام،(وكان المحامي حنا نقّارة يُقابل بالإحترام في جميع المحاكم؛ ومن جميع القضاة كبيرهم قبل صغيرهم)، فاستغرب رئيس المحكمة، وقال: "يا أستاذ حنا، لم أطرح القضية بعد... فماذا تريد أن تقول؟!". فأجابه حنا نقّارة: "يا سيادة القاضي، لدي اعتراض على تركيبة هيئة القضاة، فأحد القضاة
(وعنى بذلك القاضي "حايم كوهين")، كان مستشارا قضائيا للحكومة أثناء سنّ "قانون الجنسية"، وهو واضعه. ومعنى هذا أنّ لديه موقفا مسبقا في الموضوع، الأمر الذي يُشعر المشتكي بعدم الارتياح
من قرار الحكم. فبهت القضاة هنيهة، ومن ثمّ رُفعت الجلسة لبعض الوقت. ولمّا عادت للانعقاد وقف القاضي "حايم كوهين"، وقال انه بالفعل كان مستشارا قضائيا للحكومة أثناء سنّ "قانون الجنسية"؛ وانه مَن أشرف على سنّه. لذلك ومن أجل أن يشعر المشتكي بالعدل والارتياح، فقد قرّر الانسحاب من هيئة القضاة، وقد تمّ استبداله بقاضٍ آخر. أثناء سريان الجلسة استعرض المستشار القضائي للحكومة السبب الذي حدا بوزارة الداخلية على رفض طلب اصدار جواز سفر للمشتكي، وهو أنه لم يكن في البعنة في التاريخ الذي ورد في "قانون الجنسية". عندها ردّ عليه
حنا نقّارة، وقال: "هل سُمع عن قانون تسري صلاحيته في مناطق ليست تحت سيادته؟! قانون كهذا
غير قانوني، ومن حق المشتكي الحصول على جواز سفر كبقية المواطنين. وبعد المداولة أصدرت المحكمة قرارها لصالح جمال بأغلبية صوتين، ومعارضة الثالث. فما كان من وزارة الداخلية إلاّ أن استأنفت القرار الى هيئة مكونّة من خمسة قضاة. وفي جلسة الاستئناف، كذلك، ربح الرفيق حنا القضية، وكان قرار الحكم بالاجماع. وهكذا اضطرّت وزارة الداخلية على الاعتراف بجمال موسى مواطنا، واصدار جواز سفر له. وبهذا القرار تحطّم "قانون الجنسية" سيئ الصيت، فلفّته وزارة الداخلية، ووضعته على الرّف.
   انّ هذا القرار لم يحمِ جمال موسى وحده، باعطائه حق المواطنة، بل حمى، كذلك، عشرات الآلاف من المواطنين العرب الذين كانوا في وضع مشابه.
   لقد كان الهدف من سرد هذه الأحداث اطلاع الناس على النضالات الكبيرة التي خاضها الحزب الشيوعي، ورفاقه في مختلف الميادين، من أجل حماية الأقلية العربية المتبقيّة في هذا الوطن، والدفاع عنها.

 

(ابوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هيك رَبِّتيني يا ماما

featured

تكريم شخصياتنا العربية في البلاد

featured

فتى عمره 14 سنة، مبتور الرجل، اعتُقِل لمدة أسبوع تقريبا

featured

على كرسي الاعترف

featured

الى متى هذا التخلّف السلوكي؟!

featured

حكومة تحارب مواطنيها أيضًا!