حصاد التردد

single

يسجل اليسار معارضات ضعيفة لتطور أوباما الإيديولوجي، وهبطت نسبة تأييده بين المستقلين بـ 23 نقطة منذ أن تولى منصبه.. لا يمكن إعادة انتخابه لولاية دون تغيير هذا الاتجاه إلى النقيض

 

آخر خطوات أوباما:

* التراجع رسميًا عن وعد إغلاق معتقل جوانتانامو
* تقليص الميزانيات وتبني "نموذج ريجان" اليميني
* زيادة القوات في أفغانستان والتدخل في ليبيا

 

من الأشياء التي تحفل بقدر كبير من الرمزية، أن يعلن أوباما عن افتتاح حملة إعادة انتخابه رئيسًا، في اليوم نفسه الذي تراجعت فيه إدارته عن وعدها بإغلاق معتقل خليج جوانتانامو، وذلك عندما أعلن وزير العدل الأميركي "إيريك هولدر" أن "خالد شيخ محمد" وأربعة آخرين سوف يحاكمون من خلال محاكمة عسكرية، تقام في نفس المعتقل الذي وصفه الرئيس يومًا بأن وجوده يمثل في حد ذاته "انتهاكًا لجوهر القيم الدستورية"، وهو ما يعني أن وعدًا رئيسيًا من الوعود التي كان الرئيس قد قدمها في حملته الانتخابية، جرى التخلي عنه من أجل إطلاق حملة إعادة انتخابه.
وهذا التراجع، تلته موافقة على ميزانية قال أوباما إنها تتضمن" أكبر تخفيض في الإنفاق في التاريخ الأميركي"، وهي موافقة، تخلي أوباما من أجلها عن قاعدته الانتخابية التقدمية، تاركًا إياها "مهجورة في ساحة معركة الميزانية".
وهكذا فإن الرجل الذي انتخبه الليبراليون، من أجل استكمال العمل الذي كان قد بدأه الرئيس الأسبق "جونسون"، اختار فجأة، أن يتبنى نموذج "ريجان" .
وهاتان الإشارتان هما الأكثر دلالة حتى الآن، على الطريقة التي يرغب بها "أوباما"في خوض معركة إعادة الانتخاب. ويمكن أن يقال إنه قد بدأ بالفعل عملية "إعادة التموضع الكبير"، ولكن مع استثناء واحد لافت للنظر: فبعد أن مال أوباما ناحية الوسط عندما كان الأمر يتعلق بالسياسة الخارجية، والموضوعات الاقتصادية، فإنه قام أيضًا بإرسال عدة إشارات بشأن موضوعات ثقافية وذلك عندما وقع على سبيل المثال تشريعًا يلغي بموجبه قانون "لا تطلب من أحد... ولا تخبر أحدًا"، وهو ذلك القانون المتعلق بأوضاع بالشواذ في الجيش - والذي كان يحظر على هؤلاء الكشف عن ميولهم أو مطالبة الآخرين بمشاركتهم في تلك الميول - وكذلك عندما تخلى عن الدفاع عن " قانون الزواج"، وعندما تحدث عن قوانين جديدة بشأن فرض رقابة استخدم الأسلحة.
ويذكر في هذا السياق، أن "الجمهوريين" كانوا يتهمون أحيانًا باسترضاء قواعدهم الانتخابية من خلال إيماءات وغمزات بشأن بعض السجالات الثقافية، وأن ما يفعله أوباما في الوقت الراهن -حتى لو كان صادقًا في آرائه ومقتنعًا بها تمام الاقتناع - ليس إلا تكرارًا لنفس النهج الذي كان يعيبه على خصومه. على الرغم من ذلك، قد تكون الاستراتيجية الشاملة التي يتبعها أوباما، والمتعلقة بإظهار البراجماتية الوسطية، استراتيجية جيدة في حد ذاتها. فعلى الرغم من أن أوباما قد شهد خلال الآونة الأخيرة تآكلاً في الدعم الذي كان ممنوحًا له من قبل الأميركيين من أصل أفريقي، والأميركيين من أصول لاتينية، إلا أن نسبة تأييده لدى الليبراليين لا تزال ثابتة ( في حدود 70 في المئة) وهي نسبة جيدة خصوصًا إذا أخذنا في اعتبارنا أن تلك النسبة لم تكن تزيد عن 60 في المئة عند الرئيس كلينتون في الفترة المماثلة في ولايته الأولى.
على الرغم من أن "اليسار" المحترف، يسجل معارضات ضعيفة لتطور أوباما الإيديولوجي، لكن لا شيء هناك يهز تأييد المصوتين التقدميين، مما يعني أنه يمكن اعتبار استمرار تأييدهم لأوباما أمرًا مسلمًا به. في المقابل، نرى أن نسبة تأييد أوباما بين المستقلين قد هبطت 23 نقطة منذ أن تولى منصبه، وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن "الديمقراطيين" قد فقدوا هذه المجموعة بفارق نقاط 56  إلى 37 أمام "الجمهوريين" في نوفمبر الماضي. وتثبت الدروس المستفادة من الانتخابات السابقة في التاريخ الأميركي، أنه لا يمكن لرئيس يفكر في إعادة انتخابه لولاية ثانية أن يحقق هدفه هذا، إلا من خلال قلب هذا الاتجاه، أي تغييره إلى النقيض.
والسؤال هنا: هل يمكن لتحول أوباما الوسطي (أي في اتجاه الوسط) أن ينجح؟ هناك عقبات تعترض هذا النجاح يمكن تلخيصها فيما يلي: إن سجل أوباما في الميزانية ضعيف جدًا إلى الدرجة التي لا يمكن معها تحسين هذا السجل من خلال عمليات تجميل، إذ يحتاج أوباما إلى إجراء تغيير دراماتيكي في سياسته المالية، لكي يغير الانطباع السائد عن إسرافه ( تراكم الدين القومي خلال العامين الأولين من ولايته حتى وصل إلى 3 تريليونات دولار، علاوة على أنه قدم اقتراحًا بميزانية سوف تؤدي إلى زيادة الدين العمومي بمقدار 9,5 تريليون دولار على مدى العشر سنوات المقبلة).
وكما يشير "كيث هينيسي" الاستاذ بجامعة ستانفورد والمستشار الاقتصادي السابق لبوش الابن، فإن التحدي الذي يواجه أوباما في الوقت الراهن أكبر بكثير جدًا من التحدي الذي واجهه كلينتون في الفترة نفسها من ولايته (ولاية كلينتون)، وبالتالي فإنه ما لم يقترح زيادات هائلة في الضرائب مثل الضريبة على القيمة المضافة، وما لم يقم باقتراح وفورات في الأموال المخصصة لبرنامجي ميديكير (الرعاية الصحية) وميديك آيد(المساعدة الطبية)، فإن العجز في ميزانيته سوف يفوق أسوأ العجوزات لدى سابقيه في المنصب.
في مجال السياسة الخارجية، اتخذ أوباما بعض القرارات الصعبة مثل قراره الخاص بزيادة عدد القوات في أفغانستان، وقراراته بشأن الكيفية التي تجري بها الحرب على الإرهاب، وقراره الخاص بالتدخل في ليبيا. وهو اتخذ هذه القرارات الصعبة من دون أن يحصل من وراء ذلك على ما يستحقه من شهرة كرئيس حازم لديه القدرة على الحسم واتخاذ القرار الصعب. ويرجع ذلك إلى أنه لم يتخذ تلك القرارات إلا بعد تردد طويل وبعد أن نشبت صراعات بين كبار مساعديه حولها. ففي حالة ليبيا على سبيل المثال، لم يقم أوباما بالتصرف إلا بعد أن أصبحت قوات النظام الليبي على مرمى حجر من مدينة بنغازي، في حين كان يجب أن يتخذ هذا القرار عندما أوشك المتمردون في بداية الأزمة على الوصول إلى مدينة طرابلس مقر حكم القذافي، وهو ما أدى - وهذا شيء طبيعي - إلى خلق مشكلة ممتدة في السياسة الخارجية بسبب ذلك التردد ثم اتخاذ القرار متأخرًا عن موعده.

 

* كاتب ومحلل أميركي ("واشنطن بوست")

قد يهمّكم أيضا..
featured

ابيضاضات الدم المزمنة

featured

عتير وأم الحيران - في تل أبيب

featured

تقصير أوروبا بمحاربة داعش

featured

ديماغوغية خلط الأوراق

featured

مجزرة تستهدف الوحدة الفلسطينية

featured

مؤتمر العمل العربي والتحديات الكبيرة ..

featured

كُلُّنَا طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ