يا لهم من ملطخي أيدٍ بالدماء ومخربين وقتلة بغيضين. إنهم سجناء منذ سنين، وسبّب ذلك لهم ولأبناء عائلاتهم معاناة كبيرة. وقد جندت العائلات نفسها لمعركة للافراج عنهم، وأثر مصيرهم في قلبي. واليكم المفاجأة: ليس الحديث في هذه المرة عن مصير السجناء الفلسطينيين والعرب الاسرائيليين (فقط) الذين كانوا يمكثون في السجون منذ عشرات السنين؛ بل الحديث في هذه المرة عن السجناء الامنيين اليهود الاسرائيليين.
في خضم التحريض والشر وشهوة الانتقام المريضة التي تهيج في الايام الاخيرة بسبب الافراج عن قليل من السجناء الفلسطينيين، والتي لا يوجد فيها ولو لحظة واحدة من الشفقة الانسانية حتى ولا على أبناء عائلاتهم، طلب ممثلو عائلات سجناء الارهاب اليهود أن يلاقوني على أثر مقالة كتبتها اؤيد فيها الافراج عن الـ 14 سجينا من العرب الاسرائيليين (هآرتس، 1/8). وقد كان ذلك اللقاء وإن لم نتفق، كما يُخيل إلي، لقاءً من القلب الى القلب امتد نحوا من ساعتين وبقي صداه عندي وقتا طويلا بعد ذلك.
جاء الى مكتب العلاقات العامة الذي استأجروا خدمته تسفي بوبر شقيق عامي الذي قتل في 1990 سبعة عمال فلسطينيين وحُكم عليه بالسجن سبعة مؤبدات وحُددت عقوبته بـ 40 سنة، وهو مسجون منذ 23 سنة؛ وتسيون بوطبيكا، الذي رمى شقيقه وهو الشرطي من حرس الحدود ساحر بوطبيكا في كانون الاول 2002 الفتى عمران أبو حمدية ليموت من سيارة جيب منطلقة بعد حملة تنكيل فظيع به وبفلسطينيين آخرين في شوارع الخليل. وحُكم على بوطبيكا بالسجن ثماني سنوات ونصف السنة؛ ويهودا زليغر والد شلومو دبير وهو عضو الجبهة السرية بات عاين الذي كان يوشك أن يفجر مع رفاقه عجلة مفخخة عند مدخل مدرسة في حي الطور في القدس، وألقى رجال شرطة القبض عليه بالصدفة في آخر لحظة. وحُكم على دبير بالسجن 15 سنة وهو مسجون منذ 11 سنة.
إن الثلاثة جميعا يخرجون في اجازات متقاربة ويسمح لهم بان يُحدثوا بالهاتف أعزاءهم ويُجاز لنسائهم أن يجتمعن بهم وهذا ترف يستطيع السجناء الفلسطينيون والعرب الاسرائيليون ان يحلموا به فقط؛ والحديث في حالة بوطبيكا ايضا عن عقوبة سهلة بصورة مخيفة، بل إنهم قلة بين المخربين اليهود لأن كثيرين آخرين لم يؤتَ بهم قط ليحاكموا أو كانت عقوباتهم سخيفة والعفو عنهم سريعا.
تبين ان أقرباءهم أناس مدهشون ومنفتحون وضابطون لأنفسهم. وليسوا هم أناس "المغور"، وهي منظمة عائلات المتضررين من الارهاب الذين يؤججون الكراهية وشهوة الانتقام فقط. كان بوبر وبوطبيكا وزليغر مستعدين للاستماع عن عدم المساواة الهائل بين الأعزاء عليهم والسجناء الفلسطينيين، بل ربما وافقوا على ذلك.
قلت لهم إنه لو تم الآن إفراج جماعي عن سجناء فلسطينيين كما يجب ان يحدث وقت بدء فصل جديد لأيدت أنا الضئيل الشأن من أعماق قلبي الافراج عن أعزائهم ايضا؛ ولو أن ظروف سجن الفلسطينيين والعرب الاسرائيليين تُماثل ظروف أعزائهم لكان مكان آنذاك للافراج المبكر عن عدد منهم باسم المساواة (البعيدة عن الوجود)، بل إنني تخيلت في حلمي نضالا مشتركا بين عائلات السجناء الفلسطينيين والعرب الاسرائيليين واليهود الاسرائيليين يشبه النضال المدهش بحلقة العائلات الثكلى الاسرائيلية الفلسطينية. يُخيل إلي أن كل هذا الكلام لم يقع على آذان صُم، ومن المؤكد أنه لم تُسمع في الغرفة تعابير كراهية للسجناء الفلسطينيين.
نفذ بوبر وبوطبيكا ودبير جرائم لا تقل هولا عن جرائم السجناء الفلسطينيين، ولهم عائلات مصيبتها كبيرة وضحايا مصيبتهم أكبر كثيرا. وقد سألت شقيق بوطبيكا أية عقوبة كان سيُحكم بها على فلسطيني يرمي فتى يهوديا ليموت بسيارة جيب منطلقة سريعا، فسكت. وفكرت في عائلات ضحاياهم الفلسطينيين الذين من المؤكد أن دماءهم كانت تغلي لرؤية الافراج المبكر عن قاتلي أعزائهم، ومع كل ذلك أثروا في قلبي.
وخُيل إلي أنه ثبت مرة اخرى انه لو وضع الاسرائيليون فقط أنفسهم في مكان الفلسطينيين من نقطة انطلاق للمساواة والانسانية لاختلفت هنا صورة الكراهية اختلافا تاما.
(هآرتس)
