لو كان الكاتب اللبنانيّ الكبير محمّد دكروب حيًّا يرزق لاستأذنته باستعارة العنوان الجميل والمعبّر "السّنديانة الحمراء" لكتابه الشّائق عن تاريخ الحزب الشّيوعيّ اللبنانيّ لأهديه للحزب الشّيوعيّ الإسرائيليّ في مؤتمره السّابع والعشرين. وبما أن الوقت صباح (الله يصبّحكم بالخير) فلا حاجة لأذكّر هؤلاء الإخوة المصابين بحساسيّة اللون الأحمر(كما تشي أشعّة الفيسبوك) بأنّني لا أنتمي لأي حزب منذ عقدين بل أكثر، وسامحهم الله على هذه "التهمة" اللطيفة فنحن شعب واحد، وأمل واحد، وهمّ واحد، ومرض واحد. وتعدّدت الأحزاب و"التّنقّير" واحد، فسبحان الواحد الأحد الذي بارك التّعدّديّة.
نقش الحزب الشّيوعيّ دورًا كبيرًا ورياديًّا على قرطاس تاريخ هذه الأقليّة المعجزة، وحفر على صخرة بقائها سِفرًا خالدًا بقيادته معركة البقاء والصّمود، وترسيخه الهويّة العربيّة الفلسطينيّة في بنات وأبناء شعبنا، ونشره الثّقافة الإنسانيّة التّقدميّة، ومساهمته الكبيرة في رعاية الأدب الوطّنيّ على صفحات صحفه، وفي دوره الفعّال في تأسيس وبناء مؤسّساتنا الوطنيّة، ولا أحد ينكر الدّور الثّوريّ للحزب في إرسال مئات وربّما آلاف الطّلاب العرب إلى جامعات الدّول الاشتراكيّة، في زمن كانت أبواب الجامعات الإسرائيلية مقفلة في وجوههم، كما قاد هذا الحزب معركة شعبنا ضد الحكم العسكريّ، ومعركة يوم الأرض الخالد ويوم المساواة، ومعارك أخرى عديدة. ودفع قادته ورفاقه ثمن هذا النّضال سجنًا وملاحقات وإقامات إجباريّة وطردًا من العمل وضربًا وإهانات..الخ.
وهذا بعض من كلّ.!!
كال للنّضال في السّنوات الخالية ثمن باهظ وكانت العضويّة في الحزب تضحية و...!!
عرف هذا الحزب فترات ازدهار وصعود وتأيّيد شعبيّ واسع وبخاصّة بعد يوم الأرض، كما عرف فترات قاسية وصعبة مثلما حدث له في فترة خلافه مع النّاصريّة (1958-1960) أو في فترة انهيار العالم الاشتراكيّ (1990) أو في الانتخابات البلديّة والمحليّة الأخيرة. واستطاع هذا الحزب أن ينهض مثل عنقاء الرّماد بعد الهجوم القوميّ عليه وبعد انهيار الاتّحاد السّوفيّيتيّ ومنظّمة الدّول الاشتراكيّة، وأن يغرس الشّوك في عيون الذين سارعوا إلى رثائه.
وبرهن هذا الحزب أنّه ولود مثل الأرض الطّيّبة، يلد القادة جيلًا بعد جيل. كان المرحوم توفيق طوبي قائدًا شعبيًّا وبرلمانيًّا كبيرًا لا يُجارى، وخلفه المرحوم توفيق زيّاد القائد الوطنيّ المحبوب والبرلمانيّ ذو الحضور القوميّ، ثمّ جاء محمد بركة قائدًا شعبيًّا لاحقًا وبرلمانيًّا مناضلًا بارزًا. وكان ماير فلنر قائدًا شيوعيًّا أمميًّا شجاعًا وخلفه دوف حنين البرلمانيّ البارز الذي كسب احترام العدو والصّديق.
كما ضرب هذا الحزب (والجبهة) مثالًا رائعًا في رؤية روح العصر والرّغبة في التّجديد والتّجدّد عندما تنحّى ممثلوه في الكنيست: محمد بركة وحنّا سويد وعفو إغباريّة واختار بأسلوب ديمقراطيّ رائع وجوهًا وطنيّة شابّة واعدة هم أيمن عودة وعايدة توما ويوسف جبارين وعبد الله أبو معروف، وكسبت هذه الشّخصيّات الشّابّة، خلال فترة قصيرة، ثقة المواطنين وحبّهم وبرهنت على أنّها خير خلف لخير سلف، وتستحقّ الثّقة والدّعم والتّأيّيد لمواصلة المشوار والإبداع في الأساليب النّضاليّة.
صباح الخير للرّفاق والرّفيقات مندوبي المؤتمر الذين سوف يسقون السّنديانة الحمراء ويرعونها، بعيدين عن الذّاتيّة، غاسلين نفوسهم وأيديهم من غبار الماضي ومن صراع الانتخابات الدّاخليّة.
صباح الخير للوجوه الشّابّة الجّديدة التي ستواصل المشوار.
