أمانة المهنة الطبيّة

single

مهنة الطّب من المهن الانسانية التي تعتبر في نظري من أقدس ما يتعامل به الانسان، لما تنطوي عليه من أهمية خاصة.. حيث إنها تخص الناس جميعهم، فهذا يتألم، وذاك يشكو ولكل من هؤلاء اسبابه وعلاّته، ومهنة الطّب هنا تتجلى بالاخلاص، تتجلى بالامانة، تتجلى بالاستقامة، تتجلى بالمعرفة، تتجلى بالموضوعية والتجدّد، تتجلى بالعطف في بعض الأحيان، وتنمّي روح الشفقة والاستقامة في التعامل مع كل من يطرق باب هذا الطبيب أو ذاك، والحقيقة ان جمهور الأطباء يستحق كل التقدير وكل الاحترام لأن الأغلبية الساحقة من هذا الجمهور هم أوفياء لذويهم ولمهنتهم ولعملهم ولجمهور المراجعين.
وهنا لا بد من الإفصاح عن أمر أخذ طريقه وبدون حق وبشكل شاذ وغير مقبول، وأنا أيضا أشكك في ذلك: ألا وهو التعامل في الطّب كسلعة، أو كأداة ربما يستعملها البعض لتحقيق غايات وأهداف غير سامية، هذا إذا كان ما حدثني به أحد الأصدقاء بهذا الصدد صحيحا، وأورد ما قال لي هذا الصديق الذي أثق به كل الثّقة حيث قال:
يا زميلي استغربت ماذا أفعل، ماذا أعمل وكيف أتصرّف، وأنا أترقب أن يتفوه بما يعاني منه، فأردف قائلا: مرض صديقي يوما ولا يزال يعاني من وعكة صحيّة ربما تكون مؤلمة، وعلى أثرها رقد في احد المستشفيات في البلاد، ومكث للعلاج متألما، ودلّت الفحوصات الطبية والصور التي قام بها انه عليه أن يجري عملية معينة، ولا مفر من ذلك، وهو كما أعرفه يا زميلي ضعيف الحال في الواقع، وهو راقد في المستشفى، واذا بأحد الاطباء الذين يعالجونه يزوره في ساعة متأخرة وبدأ يحادثه بكل صراحة، وخلال حديثه عرض عليه قائلا: نحن مجموعة نقوم بمساعدة المرضى وتقريب أدوار العمليات الملحة والضرورية مقابل مبلغ معين من المال، وإذا رغبتَ بذلك، حيث ان وضعك لن يتحمل الانتظار، ومن شدة حاجته والاهتمام بصحته وافق على طلبه... قال زميلي: اتفقنا ورتّب له دورا قريبا تماما بعد أن حصل على ما طلبه، وبعدها بمدة وبعد تشخيص الألم الذي أصابه أصبح بحاجة لعملية أخرى، وأعاد الكرّة، وهذه المرة حصل على مطلبه كاملا...
وراجعه هذا الطبيب مرارا الى أن أمّن له مطلبه الكلي، ورتّب له على الفور موعدا قريبا لاجراء العملية... وتمنيت لزميلي الشفاء العاجل أضاف صديقي..
لم أورد هذه النادرة كي أنتقم من أحد لا سمح الله، وكذلك لم أوردها للتشكيك بأحد أو للمس بأحد من جمهور الأطباء الذين نقدّرهم جميعا ونكنّ لهم كل الاحترام على خدماتهم القيّمة والخلاّقة مشكورين. وهذه النادرة بدون شك تخص قلّة شاذة جدا في حقل الطّب والتي في نظري لا تستحق ان تكون في عداد معشر الأطباء فهي تنم عن نفسها بدون مواربة. وتطرح نفسها بهذا الصدد عدّة أسئلة تستحق الاجابة وبصراحة:
أين الوفاء المهني؟ أين الرسالة السامية التي تعتبر من أقدس الرسائل في الحقل الاجتماعي؟ أين الأمانة؟ أين الاخلاص؟ أين الاخلاق التي يتحلى بها الأطباء؟ وهل ما تعلّمه هذا النفر في المعاهد العليا وخرج بعدها لخدمة الجمهور وتأدية الرسالة بأمانة ووفق الميثاق الطبي الذي وقّع عليه، أين هؤلاء من أنفسهم؟ أين هؤلاء من ضميرهم؟ أين هؤلاء من مهنتهم؟ وكذلك أين هؤلاء من آلام بني البشر؟!
وبدون شك أن هذه القلّة من أصحاب المهن التي لا تستحق لقبها مطلقا، عليهم محاسبة ضميرهم واعتزال المهنة فورا او طلب المغفرة عن الذنوب، واتقاء الله أولا وعدم تناسي مبادئ هذه الرسالة السامية التي يجلّها كل أنسان ويجل العاملين في مجالها باستثناء الاقليّة الضئيلة التي لا ضمير لها، ولا انسانية عندها، ولا تؤتمن على شيء، هؤلاء يجب أن ينبذوا من صفوف المجتمع، لأنهم يفتقرون الى الاخلاق والى صفات وركائز هذه المهنة الانسانية، ويترتب عدم ربط اسمهم ونفسهم وذاتهم مع ذوي هذه المهنة الخلوقين الذين يؤدون رسالتهم بصدق وبأمانة وبإخلاص مع النفس ومع الضمير ومع الناس وقبل كل شيء مع الله سبحانه وتعالى ويعتبرون نموذجا للانسانية.
معًا أيها القرّاء الأعزاء معا ايها الآدميين، معا ايها الأطباء الأوفياء، معا يا معشر الطب، معا يا أصحاب الضمائر الحيّة، معا يترتب العمل وبكل صدق لوضع حد لمثل هذه الظاهرة التي تعتبر مرضا فتّاكا للاخلاق، وتعتبر عملية شاذة يجب اقتلاعها من الأعماق، لأنها تتنافى وكل المبادئ الانسانية، وربما تؤدي الى أمور وعواقب وخيمة لأنها قد تحط من قيمة المتعاملين بها وقد تمس ايضا صرحا عميقا من الانسانية ومن مؤدي هذه الرسالة السامية، فكلنا معا نحارب مثل هذه الظاهرة كي لا تطغى المادة على كل شيء، ولنحافظ معا على صيانة الامانة والرسالة كل في موقعه لنحظى بالتالي بمجتمع صالح يخلو من مثل هذه الشوائب المدمرة للأخلاق، المدمرة للتعامل الاجتماعي والتي قد تسيء أولا وقبل كل شيء لهذه الرسالة المقدسة.

 

(أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أحقًا أصبح داعش قوة عظمى لا تقهر؟!

featured

المحبّة أم الكراهيّة ؟

featured

" في نقد الخطاب العربي الراهن"

featured

رجال ونساء من فلسطين: حافظ صقر، مقاوِم عشق وطنه

featured

يهودية الدولة والأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل

featured

إغلاق سفارة شفاعمرو في عمّان

featured

نتنياهو يتركز على 102 عضو كنيست!

featured

عن النرجيلة والملابس الداخلية للنساء!