الأجواء السياسية المضطربة والصراعات العسكرية الدامية والمستديمة والأوضاع الحزينة البائسة واليائسة التي تسود منطقة الشرق الأوسط منذ عقد من الزمن ولا تزال، وبالذات منذ أن ارتكبت أمريكا جريمة احتلال العراق العظيم وتدميره وتدمير حضارته العظيمة، تلتها جريمة تدمير ليبيا واغتيال معمر القذافي والتي اخذت تتحسر عليه وتذرف دموع الندم فيما بعد، ولات ساعة مندم، واليوم وعلى مدى خمس سنوات يجري تدمير سوريا بحجة الاطاحة بالرئيس بشّار الأسد... وفي الوقت ذاته يجري تدمير اليمن المدمّر أصلا بأيد عربية سعودية ومن قبله جرى تدمير الصومال وتقسيم السودان، بينما تعاني كل من مصر وتونس والجزائر من آفة الارهاب والذي يهدد كلا من الاردن ولبنان وكل دول المنطقة بدون استثناء... كل هذا يشبه الى حد بعيد ما جرى في اوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية يوم أخذت النازية تتعاظم وتعمل على احتلال الدول الأوروبية الواحدة بعد الأخرى واضطرت دول العالم (الحلفاء) ان تتحد لمواجهة خطر (المحور) النازي الداهم...
فالسرعة التي نشأ فيها تنظيم داعش تذكرني بما يشبه تعاظم قوة ألمانيا العسكرية رغم أنها خرجت مهزومة من الحرب العالمية الأولى ولم تكد اوروبا تستفيق من غفوتها وغفلتها حتى سرعان ما اكتشفت أن ألمانيا قد بنت لها قوة عسكرية رهيبة ومذهلة تهدد كيانها وتهدد بالسيطرة على العالم، مما اضطر العالم كله في ذلك الوقت أن يتحد ضدها ويعلن الحرب عليها ويقال أنه حتى الأردن أعلن الحرب عليها رغم ضآلة قوته في ذلك الحين!!..
وأجمع العالم على محاربة هذه القوة العسكرية الهائلة بكل ما أوتي من امكانيات ووسائل حربية لصد هذا الزحف الهائل والسريع الذي اكتسح الدول الأوروبية التي وقفت في طريقه، واجتاح روسيا الشاسعة الأطراف وأطبق من الطرف الآخر على شمال إفريقيا، كفكي كماشة، مقتربا من حدود مصر قبل أن يهزم في معركة العلمين...
كم يشبه هذا الوضع ما يجري في بلادنا هذه الايام فمن احتجاجات لاستبدال أنظمة حكم تقليدية الى نزاع دموي مسلح سرعان ما تمدد وتطور، حتى أودى بآلاف الأرواح البريئة وعاث دمارا وخرابا، يكاد يكون شاملا، بالمنشآت والممتلكات وبات يشكل خطرا على الدول العربية بأسرها وقد أصاب اوروبا ببعض شظاياه وتدفق الملايين من السوريين والعراقيين وغيرهم الى اوروبا طالبين اللجوء الى حماها هربا من الموت الزؤام الذي يلاحقهم ويلاحق عائلاتهم مما أصاب الغرب بالذعر خوفا من وصول الارهاب الى بلادهم...
لست أدري اذا كانت اوروبا ومعها أمريكا تدرك أبعاد ما سلّحت وموّلت وما صنعت يداها... لست أدري ان كانت هذه الدول تتمتع بالقدر الكافي من الوعي، وسط هذا العمى السياسي والحقد الأعمى الذي يأكل قلبها، لتدرك أن ما جنته أياديها سيرتد وبالا عليها... وأنها ستكتوي بنار الخطر الداهم من سوريا والعراق وليبيا وعما قريب من تونس والجزائر وبقية بلدان الشرق الأوسط، هذا الخطر الذي بات يحدق بها ويهدد أمنها وسلامة مواطنيها بعد أن غذّت و"أرضعت" هذه العصابات الارهابية بالمال والسلاح إشباعا لرغباتها وحقدها الدفين وسهّلت عبورهم بالآلاف الى سوريا عبر الحدود التركية ومنها تسللوا الى العراق وليبيا وتونس التي تفاجأت بالهجوم الأخير! وربما "نام"بعضهم في طريقه الى المغرب وبقية دول شمال افريقيا ولا يزال البعض الآخر "نائما" في غيرها من دول الجوار الى أن تحين الفرصة..!
استبد العمى بالدول الغربية حتى لم تعد تبصر وتسمع وترى الهزات الارتدادية التي تضرب بها من بعد، والا ما معنى حربها المضللة والخادعة لهذه المنظمات الارهابية وما معنى أن تجتمع ستون دولة على محاربة داعش على مدى ثلاث سنوات دون أن تأخذ لا حق ولا باطل..
هل صحيح أن أمريكا الدولة الأكبر في العالم ومعها حلفاؤها (الكبار) لا تستطيع هزيمة داعش؟... أم أن داعش أصبحت قوة عظمى لا تقهر!... أم انها لا تريد لغرض في نفس يعقوب؟..
(شفاعمرو)
