قررت الحكومة الاسرائيلية مؤخرًا اجراء "اصلاحات" في السياسة المنتهجة بالنسبة للأراضي، وستجرى هذه "الاصلاحات" من خلال قانون التسويات، المعروف بصبغته الدامغة، خلال السنة الحالية، وسيُبدأ خلال الأشهر القريبة بتفريغ البنية الهيكلية لدائرة أراضي إسرائيل لتحل محلها سلطة الأراضي والتي ستنتقل إليها كافة صلاحيات دائرة أراضي إسرائيل وستعمل على تنفيذ سياسة تتميز بخصخصة الأراضي وفتح المجال للقطاع الخاص للاستيلاء على أراض واسعة والتخطيط لبناء مشاريع خاصة.
تشمل هذه "الاصلاحات" مركبين أساسيين، بالاضافة الى العديد من الاجراءات التنظيمية والتقنية المنبثقة عنها. المركب الأساسي هو بيع ملكية الأراضي للأبد (خصخصة)، بدل تأجيرها لمدة زمنية محددة كما هو متبع اليوم، والمركب الثاني هو استمرار الحفاظ على العلاقة الخاصة بين الدولة والكيرن كييمت حيث ستمنح الكيرن كييمت اعفاءات عينية وستحافظ على استقلاليتها التامة بالتصرف بأراضيها.
الإجراءات المقترحة لتنفيذ هذه "الاصلاحات" تشمل اقامة "سلطة الأراضي" الحكومية التي ستحل محل دائرة أراضي اسرائيل. تمثيل الكيرن كييمت سيكون بعضوية مندوبين من تسعة، بدلا من نصف المندوبين كما هو متبع اليوم في مجلس دائرة أراضي اسرائيل. كذلك سيتم اتاحة الفرصة للمستثمرين لشراء وتطوير أراضي عامة (بملكية الدولة) تم تخطيطها بموجب خرائط هيكلية فقط، وسيتم منح تسهيلات لتحويل أراضٍ زراعية لأهداف أخرى.
العديد من المنظمات والجمعيات الاجتماعية والبيئية تعارض هذه "الاصلاحات"، وتطالب باستمرار ملكية الدولة للأراضي والحفاظ على الوضع القائم، وتحذر هذه المؤسسات من خطر استملاك أصحاب رؤوس الأموال الكبار لهذه الأراضي، وبذلك ستتسبب هذه الخصخصة بزيادة فاجعة في الفوارق الاجتماعية بين الطبقات الغنية والفئات المستضعفة. كذلك تحذر الجمعيات البيئية من استملاك أصحاب رؤوس الأموال للأراضي الزراعية والمناطق الخضراء وتحويلها لأهدافهم الخاصة.
من جهة أخرى، ترفض الكيرن كييمت نقض النهج القائم من منطلق أن "أرض اسرائيل لا تباع"، حيث تعارض الكيرن كييمت بيع ملكية الأراضي، وترفض حتى تأجير الأراضي التي تملكها للعرب، من منطلق أن "هذه الأراضي مخصصة لخدمة الشعب اليهودي فقط"، رغم ذلك من المرجح أن الكيرن كييمت لن تعارض هذه "الاصلاحات" خاصةً وانها ستحافظ على أراضيها الخاصة ولن تقبل بتغيير النهج المتبع بالنسبة لهذه الأراضي.
ان المخاوف التي تعبر عنها الجمعيات والمؤسسات البيئية والاجتماعية تدل على الكثير من المخاطر والنتائج السلبية التي ستلحق الضرر بمختلف الجوانب البيئية والاجتماعية، لكن من جهة اخرى نرى أن ملكية الدولة للأراضي لم تمنع مصادرة أراضي المواطنين العرب، ولم تؤثر على السياسة المتبعة تجاه المواطنين العرب في النقب، وبيع المقابر العربية لأصحاب رؤوس الأموال لبناء مشاريع اقتصادية وثقافية، ومنح آلاف الدونمات لاقامة مستوطنات لأفراد، ومنع المواطنين العرب من السكن في البلدات الجماهيرية اليهودية تحت غطاء الشروط الاجتماعية والثقافية، ومنح تراخيص لمشاريع اقتصادية مضرة بالبيئة كمصانع البحر الميت وغيرها من المشاريع والمخططات التي تمت من خلال شرعنة قوانين عنصرية واعفاءات لرؤوس الأموال. لذلك فان ملكية الدولة لهذه الأراضي لم تمنع الغبن المستمر بالنسبة للمواطنين العرب وبالنسبة لدوس الحقوق الاجتماعية والمحافظة على البيئة، وبالتالي فليس من الضروري التمسك بهذا المطلب وكأنه بقرة مقدسة. ان الملكية العامة اداة لتحقيق أهداف عينية اذا وجدت هذه الأهداف، لكنها ليست ضرورة حتمية بحد ذاتها، وهنا يجب أن ننتبه الى التوجه الذي تنتهجه الجمعيات والمؤسسات البيئية والاجتماعية بالنسبة للنهج العنصري والتمييز اللاحق بالمواطنين العرب هل تعرفه على أنه جزء من المشاكل الاجتماعية أم هو تحصيل حاصل للسياسة الحكومية المتبعة والدائمة.
ان تصميم هذه "الاصلاحات" في أروقة الحكومة تم من خلال التعامل مع جدلية ثلاثية الأبعاد هي: النهوض بالاقتصاد (توفير الأراضي لتطوير مرافق اقتصادي جديدة والتقليل من الاجراءات البيروقراطية) وتعزيز المفاهيم الصهيونية (الحفاظ على المكانة الخاصة للكيرن كييمت)، و مركب آخر هو احترام القيم الانسانية (العدالة ومساواة الفرص بين كل المواطنين بما فيهم الأقلية). من الواضح أن البعدين الأساسيين (الأول والثاني) يؤديان الى الانتقاص من البعد الثالث، اذ أنه من الواضح ان النهج القائم مبني على الربط الحذر بين الصهيوينة والاقتصاد، وان القيم الانسانية وضمان فرص المساواة هي الخاسر الكبير من هذه المعادلة.
إن "الاصلاحات" المقترحة حسب تصريحات الحكومة، تهدف الى تعزيز النمو الاقتصادي وخلق سوق أراضي مفتوحة (حرة)، وتحرير تدريجي ومراقب لملكية الدولة على الأراضي لصالح المواطنين، الأمر الذي سيزيل العوائق البيروقراطية التي تعيق النمو الاقتصادي، بالاضافة الى ذلك فان ملكية الأرض من قبل المواطنين ستقلل من الاعتبارات القومية وستزيد من الاعتبارات الاقتصادية. لكن يجب التنويه الى أن التعامل مع الأراضي التي تم مصادرتها وسلبها من المواطنين العرب وما تم استحواذه من أراضي ضمن قانون أملاك الغائبين لا يدخل ضمن هذا التعريف، لأن سلطة الدولة على هذه الأراضي فرضت بطرق غير شرعية وغير انسانية.
ان الخلط بين البعد الاقتصادي والمفاهيم الصهيونية يخلق خليطًا غير متجانس وغير منطقي، فمن جهة تهدف الحكومة الى فتح سوق الأراضي بشكل حر يضمن الحد الأدنى من فرص المساواة على الأقل كما نوه المستشار القضائي للحكومة، ومن جهة اخرى تسعى الحكومة الى بث الشعور بأنها تساهم في تثبيت وتعزيز المفاهيم الصهيونية بالنسبة للسيطرة على الأرض، مما يدخل المساقان المتضادان في نفس البوتقة، ويجعلهما ضدان متجانسان.
ان هذه "الاصلاحات" ستمكن الكيرن كييمت من ادارة أراضيها بشكل مستقل، لكي لا تسري عليها ضوابط المساواة، ولكي تبقى مخصصة لليهود فقط، بالمقابل ستوافق الكيرن كييمت على تقليل عدد مندوبيها في سلطة الأراضي المزمع اقامتها، بالمقابل ستعفى الكيرن كييمت من دفع ضرائب على الأراضي التي ستتبادلها مع الدولة مستقبلاً. ويدل هذا الأمر على وجود مخططات لمبادلة آلاف الدونمات في النقب والجليل، مقابل أراضي في مركز البلاد، بين الدولة والكيرن كييمت، حيث تقدر الكيرن كييمت أنها تمتلك ثلث الأراضي في المناطق عالية الطلب، وبالنسبة لها فان كل هذه الأراضي قابلة للتبديل.
