رجل العام "بوعزيزي" بدون نار ولا عربة خضار

single

محمد البوعزيزي بات رمزًا للاحتجاجات

 

في نهاية كل سنة يحاول البشر حمل المخزون الشخصي والعام، وإعطاء ذلك الخليط لون الفرح والاخضرار وزرع التفاؤل في الغد، منهم من يبحر في التفاصيل الشخصية التي تعشش في خلايا ذاكرته ويدور في دائرة الذات حتى الجلد والتأنيب، او يصل الى حافة اللامبالاة ولا يحاول إصلاح نفسه – وكله عام فوق عام. وتكر السنوات مدموغة بذات الصورة التي تحمل البصمة المألوفة، ومنهم من يخرج من العباءة الشخصية، ويمسك الميزان ويبدأ بوزن تصرفات قادة دولته ويحاول قراءة مستقبل سياسة الدولة التي يعيش فيها، وهذا النوع من البشر يشكل الصيغة الحضارية لوجود الإنسان على الأرض، وتكون احتفالاته عبارة عن تظاهرات قلقة أكثر مما هي احتفالات فوضوية تبتهج برعونة الأضواء والأغنيات والصرخات.
جميع شعوب الأرض احتفلت بنهاية العام، ووسائل الاعلام تقذف الصور وتقوم بعملية حساب لاحداث السنة، بالارقام والوجوه واللقاءات والانجازات والاختراعات والكوارث الحروب..الخ لكن دائما يكون للمواطن العربي حصة الأسد من صور التعاسة والانحناء والقهر والدم.
احيانا نتساءل بحسرة موجعة، هل قدر المواطن العربي أن يبقى في حالات الذل والهوان والخوف؟ وسنة بعد سنة تكبر مصائبه وتتسع جروحه وتترهل ثقته بالمسؤولين والقادة وتتقزم أحلامه حتى تصبح "بكيني" بعد أن كانت قماشا وطنيا ثوريا يغطي مساحة الوطن.
أصبح النظر الى الوراء الرياضة المفضلة للمواطن العربي، الذي وجد في تاريخه منفذا للهروب من الواقع المحبط المتكئ الآن على الثورات الربيعية، التي لا نعرف أين تصل أنفاق الدسائس والتواطؤ ضدها؟! وتتحول رويدا رويدا من ميادين التفاؤل التي حملها الموطن في صرخاته واحتجاجاته الى قلق يعصف بالمستقبل. وهناك من يمارس الآن لعنة النظر الى الوراء والترحم على الماضي، ويقارن بين براكين الفساد في الماضي وتسونامي التخبط من الحاضر. هذه السنة تميزت بالمواطن " بوعزيزي" التونسي البسيط الذي رفع فقره عاليا، وأشعل برفضه النار، ولم تعد عربة الخضار قلعته التي أراد الدفاع عنها، بل حولها الى مدفع يطلق القذائف على الصمت والفقر والفساد والظلم والزنازين والدساتير التي تشرع الاضطهاد. قد تكون نار بوعزيزي صغيرة، لكن دخل التاريخ من أوسع أبواب الرفض المطلق لشريعة الظلم، والشرارة التي حرقت غابات العز المهيمن على رقاب الشعب، واذا كانت نكبة فلسطين أسقطت العروش والأنظمة، فها هي عربة خضار " بوعزيزي " تسقط أنظمة، وتحطم الكراسي ويكون الهروب والسجون والركل والضرب والسحل والموت عراة العناوين القادمة. "العار الأبيض" يكلل الثورات الآن، خاصة عندما تمضي الأيام وترحل السنوات ويبقى العار راقصا مزهوا فوق الجثث وأرقام الشهداء والدمار والسجون والفقر وابتسامات الحكام الذين جاءوا بعمليات قيصرية، نراهم ينزعون انفسهم من ارحام ثوراتهم ويلجأون الى أرحام مستأجرة، في عمليات "فندقة" تاريخية ونعرف أن هذه "الفندقة" لم تنجب سوى قادة يجرون وراءهم سلاسل المهانة، وسنة بعد سنة تزداد حلقات المذلة، وننتظر من يجرؤ ويأخذ بالثأر. اعترف "نحن العرب" دخلنا في نسيج العار وتغلغلنا في خيوطه حتى أصبح بالنسبة لنا قمة الألوان "اللون الأبيض" المندفع نحو الغرق ورفع رايات الاستسلام.
فتح رزنامة السنة الماضية وقراءة احداثها ليسا بحاجة الى شجاعة بقدر ما هي بحاجة الى صبر ودموع محبوسة ستفيض حتى تغطي الكرة الأرضية والرزنامة الجديدة ستكون ابنة القديمة ما لم تنتفض الحواشي والمربعات التي تحضن الأيام والشهور ويسجل في عمق ذاكرتها التغير.
من العراق الى فلسطين الى اليمن الى لبنان الى سوريا الى دول الخليج الى السعودية.. الخ لن نضحك على عبارة "من المحيط الثائر الى الخليج النائم" لأن زعامات المحيط والخليج والصحراء العربية جميعها في قافلة الجمال الأمريكية.
السنة التي مضت اصبحنا (كفلسطينيين) نعرفها حق المعرفة و نعرف حصارها ومستوطناتها ورجالها ونساءها الذين يقتحمون المساجد ويحرقون ويقطعون أشجار الزيتون، نعرف لهاثها خلف عظامنا التي طحنت وهي تنتظر من يحمل طحينها الى مخازن الشرف ويعجنها في معاجن الكرامة ويخبزها في مخابز التقدير، السنة الجديدة ستكون شاهدة عيان على اشياء كثيرة، لكنها جميعا توضع في كيس الهم العربي الذي يحمل ثقله المواطن.
إذًا مقياس "ريختر" يعجز أحيانا عن معرفة مواعيد الزلازل ومواعيد وتسونامي فإن عجزت مقاييس "ريختر" الأمريكية والأنظمة العربية عن مواعيد ثورات شعوبها وبراكين شبابها وزلازل نسائها ستكون صدمة التاريخ الحديث.
(العار الأبيض )هو ما نملكه الآن ومسافات صلة الدم والقرابة اتسعت وكبرت، وأصبحت المصالحة الوطنية هي امنياتنا البائسة. احرار العالم اليوم اقرب الينا من شيوخ لا يملكون الا شهادات التواطؤ مع حكامهم ضد الشعوب ولم تعد كلمة حق في سلطان جائر في قواميسهم.
المصيبة الأكبر اننا امة تحتفل وتتسابق على احتلال القاعات والساحات لكي تفرح لقدوم السنة الجديدة مع العلم انها امتداد للسنة الماضية، الفرح الحقيقي عندما نمزق روزنامة العار.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحو وضع نظام قانوني دولي جديد للجم التغيير المناخي

featured

الطواقم الطبية في نهريا والكرمل أصيلة

featured

ها قد اتى "الأربعين"

featured

"الديبلوماسية العامة" الأميركية والإسلام السياسي

featured

الشّيخ إبراهيم اليازجيّ في معليا

featured

الميدالية المزيفة وانتحار مهند

featured

شفاعمرو والتبولة.. وكتاب " جينيس"