غريزة نزعة الحرب، هذه الغريزة البشرية المتوحشة ما زالت تسيطر على محبي الحروب وممارسي العنف والتي ما هي الا لمجرد القتل والتدمير، فكيف يصبح الوضع اذا ما امتلكت هذه الفئة من البشر اسلحة نووية كانت ام فوسفورية وما الى ذلك، كالتي استعملت ضد اهالي غزة. أليس عندها فقط ينعدم الامن والاستقرار. ان هذه الحالة بعينها نعيشها يوميا ونعاني من ممارساتها ان كانت سياسية او عسكرية وبالتالي اقتصادية في ظل حكومات اسرائيل المتتالية، التي لا تحمل في طياتها الا مثل هذه الغرائز المتوحشة وتهدد وتتوعد مدّعية بان ذلك ما هو الا من اجل امنها. فهي تطالب من جهة بالامن ومن جهة اخرى تتآمر ضد شعوب المنطقة لتؤجج التوتر ومن ثم تدّعي بان ذلك ما هو الا من اجل امنها، هي التي ترفض على الدوام المصالحة والمفاوضات من اجل ايجاد حل سلمي مثلا مع الفلسطينيين وتدّعي الخوف على وجودها، مع انها اقوى دولة في المنطقة ولديها اسلحة نووية وقبة حديدية واسلحة لا تحصى ولا تعد. ثم يأتي ميتشل ليكمل المسرحية فيجول في المنطقة بحجة انه يسعى للوفاق، ودائما يكون الفشل من نصيبه. وهنالك وزراء في حكومات اسرائيل وضباط كبار صرحوا لأكثر من مرة بأنهم يعدون لشن حرب متعددة الجبهات، وتارة للهجوم على لبنان واخرى يهللون بها لشن حرب ضد ايران او غزة. وقد تكررت هذه الاسطوانة وتمخضت عن فأر حتى الآن، أليس ذلك ممارسة للعنف الكلامي؟ وجاء ايضا في وثائق ويكيليكس "بأن اسرائيل تعد العدة لشن حرب على غزة ولبنان". أليس ذلك ما يسمى "بنزعة الحرب" والسعي لممارسة العنف؟ وسواء مارسوا الحرب ام لا فهم يفشلون اية مفوضات، من اجل اللجوء الى الأسلوب العسكري.
يبقى السؤال: ضد من شُنت وتشن هذه الحروب سواء في الماضي أو المستقبل؟ أليست ضد شعبها ايضا في الداخل بحيث تؤدي الى قتل وتدمير، وليست ضد الشعوب الاخرى فقط؟ والمآسي تطال الجميع اذ ليس في الحرب غالب أو مغلوب ما دام القتل والموت والدمار قد أصاب الجهتين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ايضا اين هو المجتمع اليهودي حتى الآن؟ لم هذا الصمت؟ فحتى الآن لم ينبس ببنت شفة سوى من قلة ليس لها أي تأثير. اليس ذلك وان دل على شيء فانما يدل على أنه "ميت وهو آخر من يعلم بانه كذلك"؟ كما اصيب وعيه وادراكه بالشلل وفقد البوصلة للوصول الى الهدف المرجو وهو العيش بسلام. لكن هيهات منه السلام وهو مستسلم لسلطة حكوماته الغاشمة التي ارادت له هذا العيش من التوتر والقلق، وتدّعي بان ذلك من اجل الامن . وتسعى لحفر القبور ليس لشعوب المنطقة فحسب وانما لشعبها ايضا. فهذا المجتمع اليهودي الذي لا يقول لا لأي حرب سواء كانت عسكرية او لتآكل الاجور للعمال او لجوع الاطفال، او لانتشار العنف نتيجة الفقر وعدم وجود ميزانيات لانقاذ هذا المجتمع من الآفات، اذ ان كل يوم تنقل لنا الاخبار عن قتل آباء لأبنائهم او بالعكس، كذلك نسبة الانتحار تزداد يوما بعد يوم نتيجة الوضع المزري في المجتمع، وكل هذه المصائب هي لعدم وجود ميزانيات ويبقى المجتمع اليهودي صامتا. كذلك مخطط يهودية الدولة الذي جرى الحديث مؤخرا والذي يبحث في الكنيست فما هو الا ضد مواطنة مواطنين في الدولة كل ذنبهم ان قوميتهم عربية، ولدوا في هذه البلاد منذ الآف السنين، ويعمل العربي الى جانب اليهودي في المصانع وفي كافة المجالات ورغم التمييز الصارخ ضد العربي الا انه يريد السلام ويشارك بالمظاهرات وينادي بأعلى صوته من اجل السلام وتحقيقه وضد العنف، لكن المجتمع اليهودي لا يحرك ساكنا، وكأن السلام لا يعنيه. ألا يقول كل هذا بأنه ميت؟ ! وانه لا يفكر وقد اصيب "بانتحار عقلي بحيث يقتل الانسان وعيه ويبقي على جسده". فعندما يعلن عن يهودية الدولة وكان هناك اكثر من تصريح لطرد اكثر من مليون عربي من اراضيهم ووطنهم الذي ليس لهم غيرهما الى وطن آخر بديل " للاردن"، ومن ناحية اخرى ينادون بالنمو الطبيعي للمستوطنات الاسرائيلية التي بنيت على انقضاض الفلسطينيين واراضيهم المصادرة بالقوة، الم يسأل المجتمع اليهودي نفسه عن أي أمن واستقرار يبحثون؟ ولماذا لا يعترضون على ممارسة حكومتهم الحروب والتحرش بالغير. ان طرح يهودية الدولة والوطن والبديل في حزب "هتيكفا" ما هو الا استمرارية لتلك الاستراتيجية منذ 93 سنة أي منذ وعد بلفور، والتي ما هي الا عن النسخة الأصلية لمؤتمر بازل سنة 1897، فهم يحاولون من خلالها فرض تغيير ديمغرافي منذ ذلك الوقت وهي ليست وليدة اليوم. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم والحكومات الاسرائيلية تقترف الجرائم التي لا تعد ولا تحصى يقتلون الابرياء اطفالا ونساء وشيوخا ويهجرون شعبا عن اراضيه وما زالوا، والمجتمع اليهودي صامت لا يدافع عن نفسه حيال هذه الممارسات الوحشية ضد الغير المظلومين والمسحوقين لردع حكوماتهم عن مخاطر افعالها، حتى ولو بخطوة اجتماعية ضد مخطط تهجير فئة من مواطنين في الدولة مثلهم، او ضد العسكرة ومضاعفاتها الخطيرة. الا يقول ذلك بان المجتمع اليهودي هذا بمثابة الميت. ثم اختراع قصة الارهاب ايضا، فاسرائيل وولية نعمتها الولايات المتحدة اوهموا العالم بما يسمى بالارهاب الاسلامي، بحيث عقدوا حلفا مع اغلبية دول الشرق الاوسط ضد الدولة التي يقع عليها اختيارهم لوصفها بالارهابية مثل افغانستان والعراق عندما اتهموهما بان في حيازتهما اسلحة نووية وبعد القتل والتدمير لشعبيهما ثبت بانه لم يكن لديهما اسلحة نووية، والمجتمع اليهودي صامت وينتظر تلقي ما في المجهول من مصائب نتيجة افعال حكوماتهم. وما يجري سياسيا ودبلوماسيا ايضا من اثارة التوتر اخيرا ضد الشعوب المجاورة التي لا تتمكن من الدفاع عن نفسها، فحتما سيؤدي لشن الحرب والمؤشر يشير ضد لبنان وفلسطين ولم يحرك ساكنا. فالأمر ايضا لم يقتصر على هذه الناحية فقط ، بل من ناحية اخرى فميزانية الدولة التي تصرف على الحروب من جهة التي هم في غنى عنها فيما لو جنحوا للسلام والتي ينتزعونها من مخصصات الاطفال والشيوخ والمستشفيات والتعليم والتربية الخاصة الخ.. ومن جهة اخرى فرض الضرائب الباهظة على السكن والاجور ويؤدي الى غلاء الاسعار على الاحتياجيات الاساسية اليومية، والمجتمع اليهودي صامت لا يتحرك. والانكى من ذلك بان مخاطر هذه الممارسات تطال عمق المجتمع الاسرائيلي، مثل كارثة حريق الكرمل الهائل الذي ثبت بأن الحكومة لم تكن مستعدة لمثل هذه الكوارث الطبيعية وضحاياها لتخصص لها الميزانيات لمنع خطرها وتحمي شعبها. الم يثر انتباه هذا المجتمع اليهودي عندما اقيمت لجنة تحقيق رسمية ضد نتنياهو رئيس حكومتهم حول اوضاع وخدمات رسمية، كيف انه نجا مثل الشعرة من العجينة وكيف أعطى الرشى من ميزانيات الدولة لاسكات بعض الوزراء ليتحفظوا عن مقاضاة الرئيس والغي التحقيق، ومن ثم فليذهب الكرمل والخدمات والضحايا الى لجحيم ، وكيف تصرف من ميزانية الدولة على وزراء بدون وزارة بملايين الشواقل ولموقع ويكيليكس ايضا بمبالغ طائلة لكي يغض النظر عن الفضائح الاسرائيلية، اذ ان من المستحيل ان لا يوجد حتى الآن اية فضيحة تدين هذه الحكومات الاسرائيلية. وحتى الآن والمجتمع اليهودي الاسرائيلي صامت.
بعد كل هذا الصمت تفرض التساؤلات نفسها، لماذا لا يتساءل الى اين تأخذه هذه السياسة الهدامة؟ هل شلت حكوماته تفكيره ووعيه لدرجة ادت الى "الانتحار العقلي" الذي هو اسوأ انتحار بحيث يقتل الانسان وعيه ويبقي على جسده. من الذي سينقذ الاجيال القادمة من هذه الحروب وسياسة الحكومات الغاشمة هذه والآفات الاجتماعية؟ فلماذا اذًا لم يدرك آباء وامهات هذا المجتمع اليهودي المخاطر حتى الآن لينقذوا ابناءهم وبالتالي المنطقة بأسرها من شرور سياسة الاستراتيجيات الحربية الهدامة؟! ألا نستنتج بعد كل ذلك بانه "ميت وهو آخر من يعلم بانه كذلك".
(عكا)
