منذ وجدْنا العملَ المنتج على هذه الأرض، انقسمنا إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأوّل، وهو الأكبر، يعمل على تنظيم وضبط الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة والتربويّة، ويكافح ضدّ الاستغلال والظلم... ومن أجل العدل وسيادة العلاقات والسلوكيّات الإنسانيّة، ومن أجل الاستقرار المعيشيّ، والمصلحة العامّة، والتعاون المتبادل النفع، والتلاحم والتكامل...،
والقسم الثاني، وهو الأصغر، يعمل بأنانيّة ذاتيّة، وبجشع لا يعرف الحدود، ويتبع الوسائل الخبيثة...؛ يظلم ويستغل ويبطش...ليغنى ويسمن على حساب معاداة الآخرين واستغلالهم واحتقارهم، ليصل إلى حدّ احتلال شعب آخر، بدون وازع ضمير، أو طائلة قانون، أو حساب مصير...؛ يحتلّ سوق العمل، ويسيطر على الأملاك، ويتحكّم بالأجور، ويخترق مؤسسات الدولة، من سلطاتها التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة إلى أحزابها وصحافتها ومسارحها وشاشاتها ومدارسها...حتى نقاباتها وجمعيّاتها.
في إسرائيل، يسيطر المستوطنون وأرباب رؤوس الأموال ودعاة الاحتلال والضمّ والمصادرة والاضطهاد والتمييز على مرافق الحياة؛ لأنّ هناك أغلبيّة صامتة لا مبالية، ونقابات انتهازيّة متشابكة مع سياسة الاحتلال والتوسّع، تعزّز تدخل الدولة في الاقتصاد، وتنطوي على بيروقراطية تستبيح الفساد...،تحوّلت إلى كاتمة لأصوات الاحتجاج، وإلى حاجز أمام الهبّات الشعبيّة..
أصبحت الهستدروت (نقابة العمال في إسرائيل) منظومة معقّدة مكبَّلة ومكبِّلة ومعطّلة للحريّة والديمقراطيّة تعمل وفق مبدأ المراتبيّة والمحسوبيّة (راجعوا التقارير الصحافيّة في بداية السنة الحالية عن فساد عوفر عيني سكرتير الهستدروت)، ومرتبطة بالسياسة الرسميّة وبأسلوب الإنتاج الرأسماليّ للدولة، وتتغذّى من ممارساتها الفاشيّة وتقديسها للاحتلال.
بناء على رأي زعيمة حزب العمل- شلي يحيموفتش، وسكرتير الهستدروت-عوفر عيني؛ لا يسيء الاحتلال إلى الاقتصاد الإسرائيلي، ولا يأتي بناء المدارس، وفتح الشوارع، وبناء المستعمرات الكولونياليّة...في المناطق الفلسطينيّة والسوريّة المحتلّة؛ على حساب تعطيلها في إسرائيل! من الممكن أن يكون مثل هذا الادّعاء صحيحا بالنسبة للوسط اليهوديّ، لذلك يروق لشلي ولعيني أن يكون هذا على حساب الوسط العربيّ وفقراء اليهود الذين يعيشون في كنفهم!
ربّما في هذا ما يفسّر لماذا نسبة الفقراء من سكّان إسرائيل هي 25%( حسب تقريرا الـOECD والتأمين القومي) بينما نسبة الفقراء من العرب هي 35% ! ونسبة العائلات العربيّة الفقيرة هي 50% من مجمل العائلات الفقيرة في إسرائيل، وأنّ دخل العائلة العربيّة يعادل 57% من دخل العائلة اليهوديّة! وغيرها من المعطيات التي تدلّ على أن العرب الفلسطينيين في إسرائيل هم أكثر المتضرّرين من سياسة الاحتلال؛ لذلك تقع على عاتقنا المسؤوليّة ( عدا عن كون دولتي تحتل شعبيَ) الأكبر في مقاومة الاحتلال من خلال نقابة العمّال العامّة لنوقف دفع "ضريبة" الاحتلال التي ندفعها عنوة ومرغمين على مساعدة حكومة الاحتلال في تكريس احتلالها، وبالتالي لإفقارنا!
لا صوت يعلو على صوتنا؛ لأنه صوت حقّ! نحن بحاجة إلى أكبر تمثيل جبهويّ في نقابة العمّال العامّة-الهستدروت وفي مجالس نعمات والعمّال المناطقيّة، لنحافظ على حقوق العمّال ونعزّزها، ولنعدّل ميزان القوى بين النقابة والحكومة وأرباب رؤوس الأموال وسوق العمل، ولنحسّن من شروط وظروف العمل، ولنرفع من مستوى الوعي والثقافة للعمّال والموظّفين، ولنشارك في بناء مجتمع ديمقراطيّ يكره الاحتلال والاستغلال، ويشرّع قوانين ضدّ المصائب الاقتصاديّة من بطالة واتساع الهوّة بين دخل العمّال وبين مقاولي شركات التشغيل ومديري وعملاء وسماسرة..المؤسّسات والشركات الرأسماليّة والاحتكاريّة...
لسنا من ضيعة قليلة! بإمكان ممثلينا الجبهويين أن يتحمّلوا المسؤوليّة الأخلاقيّة عن العمّال والموظّفين والفقراء ... ويقودوا معركة كشف العلاقة الطرديّة بين الأزمة الاقتصاديّة والفاشيّة المتنامية وظاهرة العنف ... وبين سياسة الاحتلال والاضطهاد القوميّ، وأن يشاركوا في قيادة نضالات الاحتجاج، لا الاكتفاء بالمشاركة فيها بأعداد متواضعة، علينا مقاومة الخصخصة في القطاعين: العام والخاص، وأن ننبه أكثر من غيرنا إلى مكائد اتفاقيّات الأجور وإلى أساليب إغراء أو"إجبار" العمّال على التوقيع على عقود شخصيّة تؤدّي إلى عمل غير منظّم يناقض ويخرق اتفاقيّات العمل الجماعيّة وإلى تآكل الأجور.
بعد اطّلاعي على الاعتداءات الوحشيّة على حقوق الجماهير العربيّة النقابيّة، لا بدّ لي من توجيه دعوة، بعد التحيّة، لمؤسّسة عدالة-المركز القانونيّ لحقوق الأقليّة العربيّة في إسرائيل، بأن تعمل على تشكيل شعبة خاصّة قادرة على تقديم الاستشارة القضائيّة والدفاع عن العمّال والموظفين العرب الذين يخوضون نزاعات عمل...ويتعرضون إلى أبشع ظلم/قطع الأرزاق.
