هل يتوجب علينا، حين يكون طرفان في حالة صراع يريد كل منهما القضاء على الآخر، أن نصطف إلى جانب طرف ضد الآخر؟ أو أن علينا الالتزام بمبادئنا وندعم ما يناسبها ونشجب ما يتعارض معها لدى هذا الطرف أو ذاك؟
النقاشات الدائرة حول القضية السورية تدور بين من يعارض الثورة، حماية لنظام ممانع ووطني أمام المؤامرات الأمريكية والتركية والخليجية، وبين من يعارض النظام القمعي، دعما للثورة من أجل الحريات والحقوق. تكاد لا تجد أحدا قلقًا على النظام من المؤامرة إلا ويعترف بحق الشعب السوري بالحريات، ومن جهة أخرى لا تجد أحدا يدعم الثورة، ينكر وقوف النظام ضد المخططات الأمريكية أيضا. إذًا كلا الطرفين يدرك بأن الخيارات هي ليست بين الملائكة والشياطين أو بين الجنة والنار اللذين أصلا ليسا موجودين على الأرض. بل إن الخيارات بين بدائل مركبة جدا لا يمكنك أن تصطف إلى جانب طرف منها إلا أذا غضضت النظر عن جزء من الحقيقة، أو تنازلت عن جزء هام من مرجعيتك المبدئية والأخلاقية. وما الداعي لمثل هذا التنازل؟
حين يقرر المرء الالتزام بمرجعياته، بدل الاصطفاف القاطع مع هذا الفريق أو ذاك، عندها يسهل التعامل مع كلا الطرفين ودعوة المعارضة إلى رفض التحالف مع القوى الخارجية من جهة، ودعوة النظام إلى وقف القتل والإسراع في عملية التغيير من جهة أخرى. أليس هذا موقفا واضحا بما فيه الكفاية؟ أعتقد أن هذا الموقف هو موقف أغلبية الشرفاء والوطنيين في سوريا (أمثال مشيل كيلو) وخارجها، الذين لو عبروا عنه بوضوح، بدل الاصطفاف، وحشدوا الرأي العام وراءه يمكنه أن يصبح صوتا ثالثا مدويا يفرز المعارضة الوطنية عن المعارضة غير الوطنية، ويفرز القوى الوطنية في النظام عن القوى الفاسدة فيه وبالتالي يأخذ بالسيرورة السورية نحو اتجاه جديد.
ربما يقول البعض ان هذا الموقف الثالث هو نوع من الرفاهية يجوز لمن هم بعيدون عن بؤرة الصراع أما الواقعون في خضم الصراع لا بد لهم إلا أن يصطفوا مع فريق ضد الآخر ويقرروا هل يشاركون مثلا في المظاهرات أو يشاركون في نشاط النظام. إن وراء هذا الادعاء فرضا لا بد من مناقشته ألا وهو أن مشاركة شخص ما في دائرة النظام أو في دائرة المعارضة إنما هي مشاركة رقمية صامتة تلقي بثقل هذا الشخص في إحدى كفتي الميزان، وهذا فرض خاطئ فيه تشييء للناس وإبطال لدورها الفعال في هذه الدائرة أو تلك. يكون هذا فرضا خاطئا بالذات لمن يكتب ويحلل بصفته صاحب موقف وليس مشاهدا سلبيا، وعليه أستغرب اصطفاف مثل هؤلاء ودعوتهم للناس للاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك.
إذا قبلنا بأن هذا الموقف الثالث هو موقف الأغلبية فتكون الرفاهية هي في تحاشي حشد هذه الأغلبية في وجه المعارضة التي تستجدي الغرب، وفي وجه النظام الذي يبطش بالمتظاهرين محاولة لكسب الوقت للمحافظة على نفسه، ولتصبح هذه الأغلبية الصوت المدوي والحاسم بدل طمسها وإضاعتها في خضم النقاشات بين الفرقاء. هذا الموقف الثالث: وقف استعمال السلاح والتوجه للحوار لإصلاح النظام بشكل حقيقي من جهة، ودون تدخل أجنبي من جهة أخرى، يشكل القاعدة التي يمكن أن تنقذ سوريا من الضياع. فلم الحياد عنه والانجرار إلى السجال الاصطفافي العقيم؟
ربما يقول قائل بأن النظام من جهة والتدخل الأجنبي من جهة أخرى لن يوفرا هذا التيار الثالث وسيحاولان إجهاضه بكل وسيلة وهذا أمر صحيح ووارد. ولكن هل أن الاصطفاف في أحد أطراف الثنائية كما هو الآن يحول دون هذه المحاولات؟ بل إن التصدي للنظام من جهة وللتدخل الأجنبي من جهة سيكون أنجع بكثير من خلال هذا التيار الثالث، لو عرف قيمة نفسه وحشد نفسه في المعركة.
ها أنا أضم صوتي إلى هذا التيار الثالث.
