حين أقفل عضو الكنيست الرفيق محمد بركة مداخلته، في الامسيَّة التي حل فيها ضيفا في نادي الحزب، كان علي وخلال محاولتي التركيز على العديد من النقاط الهامة التي اشار اليها من خلال الاجتماع ان احيِّي العديد من اصدقائي وصديقاتي الذين بت كالعديد لا اراهم الا في المناسبات.
عليّ الاسراع إلى البيت لترتيب افكاري التي انبعثت من عبارة تحريضية اخذت تجول في رأسي تبحث عن مخرجها أمام شباك زجاجي وكما تلهيت عندما عادت الى (الزن).
لذا اعتذرت عن فنجان القهوة في بيت الرفيق علي حريكي وهرولت إلى البيت لاكتب. الذبابة، اقصد العبارة المستفزة، التي بدت لي كأحمق يرمي حجرًا في البئر وهات مئة يخرجونه... "انتم الشيوعيون وفي الجبهة تتحدثون عما يجري في فلسطين وتهتمون لما (خارج الخط الاخضر) اكثر مما تهتمون بقضايانا المحلية". وهكذا صارت (العرب عربين).
لقد انتزعنا فكرة فصل الدم الفلسطيني منذ غادر اول مهجر من هذه البلاد ، وحتى اللحظة فالتواصل ليس نتيجة اصطفافنا صفا واحدًا... بكل أطيافنا ومذاهبنا ودياناتنا، بل هو أيضا صلة دماء عمومتنا وأخوالنا (صفة أقارب جيلنا)، أما جيل أبي وأمي فلهم اخوة والبعض أهل أب وأم. فكيف يكون مفهوم هؤلاء الذين صرحوا بهذا الاستفزاز؟
أنا على قناعة انه طرح بلا وعي وفي حالة بحث عن سبب سطحي وغير مقنع ليبرروا نقاشاتهم أو تصويتهم للأحزاب التي تزورنا في شهر المرحبا.
**
حتى بداية المرحلة الثانوية لم أكن اعرف ما معنى الحزب الشيوعي، ولا الشيوعية ولكنني شغفت بقراءة الأدب الروسي، والأدب الفلسطيني الوطني، فقرأت لمعين بسيسو ومحمود درويش وذلك الكتاب الصغير لسميح القاسم، كولاج . وغيره ومجلة الغد والجديد وسمعت باسم توفيق طوبي وماير فلنر حين قرأت عن مجزرة كفر قاسم وكيف تسللا وكشفا المجزرة التي كانت قيد التعتيم. ولا احد غيرهما غامر تلك المغامرة (وسائل مواصلات شحيحة، اتصالات ضعيفة) وتمكنا من فضح المؤامرة.
ثم كبرت ورأيت السعادة على وجه أبي وهو يستمع إلى طيب الذكر توفيق زياد وهو يصيح في الكنيست متحديا عنجهيتهم، ثم قرأت إميل حبيبي، محمد نفاع وسميح صباغ وغيرهم. وكلما تحدثت في لقاء مع الطلاب أو الأدباء كنت اذكر هؤلاء واستعمل عبارات رفض الاحتلال، حق العودة.. ليس لأنني رددتها كالببغاء بل انها أقنعتني بصوابها وبأنها مطلب شعبي. أولهم أمي التي بكت أقاربها وأبي الذي اكفهر وجهه حين استولى احدهم على زيتونه بحجة (أموال غائبين) لم افقه الكثير من المعاني لكنني عرفت انها تتحدث عن مأساة شعبي.
**
كبرت وقارنت بين شوارع حيفا حين كنت أسافر.افتقدت القاعات والمراكز التي تعنى بأولاد قريتي وأنا أعمل، وأثار قهري راتب الموظفة اليهودية التي عملت في وظيفة كوظيفتي... من هنا تحدثت عن كل ما حدثتني به صحف الحزب الشيوعي، والرفاق الذين شجعوني وقد رأوا في شخصي فتاة نهمة للمعرفة... فكان بعض الناس يعلقون هل أنت شيوعية؟ ولم أكن ارد عن نفسي تهمة انما كنت اجيب بسخرية اتحاشى اظهارها: كلا... بل انا احب وطني... احب شعبي ولم اسمع اجمل من موقف توفيق زياد (الشيوعي) الذي تمنى من شدة حبه لبلاده ان يموت ويحيا... ويحيا ويموت ليحبها اكثر...
حالة حب وصلت حد الموت!
**
وهنا أعود من جولتي الاستطرادية التي اختصرت منها قدر الامكان:
كيف يمكن ان احكي عن فقر أبي في مجد الكروم ولا يستفزني ابن غزة الحافي الذي ينام تحت السماء والطارق؟
وهل مصادرة اراضي نحف وبناء منطقة صناعية لكرمئيل تختلف عن قطع اشجار زيتون في نابلس والخليل؟ (لم اصدق حكاية حصار الحرم الابراهيمي ووقاحة الجنود حتى كنت هناك) وكلما ذهبت الى الدولة الفلسطينية، يحاصرني البكاء الى حد النواح...
شمس تصلي الشوارع... جنود يجلسون في التكييف يتلذذون بتخريب ابناء جلدتي... فاعود لاكتب عن مشاهد عديدة، اذًا يستفزني... يغضبني هذا الوضع... المحتل الوحيد على وجه الارض هو الاسرائيلي... يحتل بيوت اهلي واصدقائي هناك.
من يعتقد انه يستطيع خلع جلده فهو مخطئ... لان الحية المتهمة بالخبث هي التي تغير جلدها... ولا يمكن ان اكون حيادية... حيادية يعني لامبالية.
قتلوا ابن قريتي احمد مصري وأصر ان من يقتل هناك يقتل هنا... في 1978 مات ابو الرايق خلايلة بعد ان داسوا على رأسه بنعالهم وبتأثير عصيهم... واحتضنت ريمة كيوان ثمانية اولاد يتامى لان الجنود الذين هدموا في العراقيب هدموا بيتها هنا...
والجندي الذي اطلق الرصاص في جنين وغزة والقدس و.. و... اطلق النار في مجد الكروم...
رصاصة برصاصة لا... دبابة مقابل دبابة؟
لا...
استطيع ان اتعلم درس توفيق طوبي (الشيوعي) وان افضح مكائد هؤلاء الذي يتشدقون بالديمقراطية ويكذبون على العالم بتلميع صورهم...
ها نحن ذا... ستشرق في نهاية هذه السطور... وسأتعجل ايصال ما لدي حتى تهدأ الذبابة الزنانة في رأسي... ايها الاخوة والاخوات...
خيركم... خيركم لاهله.
اهلنا الذين ذكرناهم وتعرفونهم... اعمامكم اقاربكم... في المهجر والضفة والقطاع وكل بقعة في العالم كالجسد الواحد يتألم لألم عضو فيه، اننا وقد صمدنا في وجه مؤامرة التهجير وتحدينا نهج القتل والابادة والافقار وسخرنا من كلام زعماء هذا الاحتلال الذين يعملون دائما على تحويلنا الى خدم.
ونحن اليوم اقوى بفضل قيادتنا... ورجال مثل محمد بركة ورفاقه جميعا دون استثناء صدقوا وسيصدقون... والرعية وراء الراعي ان صلح صلحت.
ان من يتربى وينشأ على حب الوطن سيحبه كاملا دون نقصان ولا تقسيم.
ومن يحب وطنه يحب الناس جميعا ويؤمن انه لا يستثني الآخر..
وقبل ان تتوقف أصابعي عن القفز على الحروف الرابضة تحت الشاشة المضيئة أؤكد اننا جميعا... عربا ويهودا... تكوّنا وجبلنا من لحم ودم.. نرفض جرائم وأطماع الجالسين لاستنزاف عرقنا ودمنا وامننا.
ونتحمل واجب ايقاف احلامهم الشريرة التي لا تنفك تزرع العداء والكراهية بين الشعوب والاحزاب والديانات ، فالارض وخيراتها وسلامها ليست إرثا للقتلة.
