طاكسي العافية

single


(الطاء) في المغرب العربي تحتل موقع (التاء)، والعافية عند المغاربة تعني النار بعكس ما تعنيه لدينا نحن عرب هذه البلاد، فعندما نقول: "تعافى فلان" نؤكد انه نال العافية أي الصحة التامة. لقد نبّهنا المرشد المغربي ألّا نتمنى العافية لأحد عندهم كما نتمناها لبعضنا البعض في بلادنا هنا... هم لا يستعذبون سماعنا نقول:
"يعطيكم العافية" لان هذه الأمنية تحمل بين طياتها نارًا أو حريقًا في الجحيم.
في رحلة رائعة نظمتها شركة السياحة النصراوية "نزارين تورز" حملتني الطائرة مع أصدقاء لي من ارض وسماء الوطن لأجد نفسي مع اخوة لطفاء أحباء من المثلث والجليل. انتشيت برفقتهم إلى الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، والى فاس، عاصمة الثقافة والمعرفة وفي أغادير كانت نسائم المغرب تدغدغ وجوهنا وأذهاننا حيث تعلّمنا دروسًا تعلمناها وعلّمناها في مدارسنا هنا، أما تطبيقها فكان عصيًّا في بلدنا فنتنسمناه هناك في المغرب.
"النظافة من الإيمان" التي تُزيّن جدران مدارسنا وبيوتنا وجدناها نابضة خفّاقة في شوارع ومرافق إخوتنا المغاربة. كادت أنفاسي تختنق وأنا استعرض شكل شوارعنا وممراتنا وأزقتنا في بلداتنا وقرانا حيث تتكدس أكوام القمامة والعلب التنكية والبلاستيكية، ناهيك عن الزجاجية المنثورة هنا وهناك مزابل قبح على جوانب وصدور طرقاتنا!! وتساءلت: لماذا لا نتعلّم من المغاربة أن (النظافة من الإيمان) ليست مجرد حكمة  يتيمة نعلّقها على جدراننا بجانب شهادات أولادنا.. بل نهج حياة يجب ان نسلكه قولا وفعلا؟! اهتمامهم بالنظافة يكتمل متوّجًا ببشاشتهم وترحيبهم. ما أروع حبّهم لفلسطين وأهلها!
كم سمعناهم يلهجون بحب وطننا مرحبين بأحبائهم أهل فلسطين! في سوق مراكش تحديدًا التقيت شابًا بائعًا لصحف وكتب قديمة وجديدة.. كم فرحتُ عندما قال بصوت مسموع: أهلا بكم ملوِّحًا بـ (لماذا تركت الحصان وحيدًا) لمحمود درويش!
أما في مدينة فاس وأثناء تجوالي في جامع القرويين حيث تتسامى في رحابه وتحت سقفه جامعة القرويين صادفتُ إمامًا جليلا يتكلم العربية بلغة قرآنية فصيحة.. قال لي: "هنا في جامعتنا تتقاطع علوم الدين بعلوم الدنيا". بُنيتْ هذه الجامعة عام 859م وهي أقدم الجامعات في العالم. هنا درس البابا سيلفستر الثاني، وهنا تعلّم الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون وهنا كان ابن خلدوننا الذي خلّد بمقدمته اسم العرب وتبحُّرهم في علم الاجتماع.
بعد (فاس) انتقلنا إلى مدينة أغادير وهي فعلا من جنان الله على الأرض، بأقواسها ونخيلها وفنادقها وساحلها وأسماكها.. مدينة بُنيت من جديد بعد ان دمّرها زلزال عام 1960. ما أجملها من مدينة! بإرادة وعزم المغاربة قامت المدينة وكأن الزلزال لم يكن.. وفي احد الفنادق قرأت ما قاله الملك محمد الخامس طيب الله ثراه: "لقد حكمتْ الأقدار بخراب أغادير.. لكن بناءها سيكون بإرادتنا وعزيمتنا". وبُنيت أغادير الجميلة مُلملمة جراحها  لتكون مدينة سياحية بامتياز.
في هذه الصباحية أرسل الشكر والتقدير لنزارين تورز ولمرشدنا المرافق صاحب العزم والحزم الشفاعمري سامر عزام ذي المواهب المتعددة والصوت الشجيّ.
بوركت يا سامر وبوركتْ معك الشركة السياحية النصراوية.. ارجو ان تحيط بكم العافية الفلسطينية بعيدًا عن إيحاءاتها المغربية الامازيغية.


قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية والاستقلال وحق العودة للشعب الفلسطيني

featured

قيادة عملاقة

featured

في ذكرى توفيق طوبي

featured

الصامتون والثرثارون

featured

كارل ماركس وترسانته المفاهيمية

featured

بين أوراق الزّعتر

featured

سلفيون مع وقف التنفيذ الإسلامي

featured

الى متى ستظل مدافن أمواتنا مهشّمة