في مذكراته روى الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، أنه عندما كان طالبًا في لندن، أنشأ بعض زملائه من الطلاب الهنود هناك جمعية تعنى بالشأن العام على نحو ما يفعل الطلبة المغتربون، خصوصًا عندما يكونون في بلدان تتوفر على حريات يصبح بوسعهم، معها، أن يقولوا ما لا يستطيعون قوله في أوطانهم.
كان أولئك الطلبة الهنود مليئين بالحماس، لا بل بالتطرف على وصف نهرو نفسه لهم، ويطرحون من المطالب ما يبلغ عنان السماء، حتى لتخالهم سيغيرون الوضع، لا في الهند وحدها وإنما في العالم كله.
على خلاف نظرائه المتحمسين كان نهرو قليل الكلام، ميالًا إلى الصمت، ما أظهره بمظهر الشخص غير المتحمس لما يقوله الآخرون أو يطالبون به، وكان هذا مدعاةً لتوبيخه من قبل بقية أفراد المجموعة، الذين كانوا ينظرون إليه كشخص سلبي، منعزل عن قضايا أمته.
انتهت سنوات الدراسة في لندن وعاد الجميع إلى وطنهم الهند. فيما بعد سيكتب نهرو واصفًا ما جرى بعد ذلك، حين وجد هؤلاء المتحمسين المتطرفين بالذات أصبحوا موظفي إدارة الانتداب الإنجليزية في الهند، ولم يلعبوا أي دور فعال في الحركات الاستقلالية.
"أين راح سخطهم على الإنجليز" يتساءل نهرو، "أين ذهب حماسهم العنيف". ويجيب: "تبدد كل هذا على المكاتب الفاخرة التي أعدها الإنجليز لهم في الهند".
لا ضرورة للتذكير بأن الشاب الصامت في لندن، قليل الكلام، الذي بدا لزملائه سلبيًا فاقد الحماس لقضايا وطنه، سيغدو بعد عودته إلى الهند، أبرز قادة حركة الاستقلال الهندية إلى جانب المهاتما غاندي، وهي الحركة التي توجت بالنصر المبين، ونالت الهند، في نتيجتها، استقلالها الوطني، وغدا نهرو، فيما بعد أبرز قادة حركة عدم الانحياز إلى جانب جمال عبدالناصر وجوزيف تيتو.
ليس كل الصاخبين في الكلام، خصوصًا حين يكون هذا الكلام مجانيًا، وليس ثمة أكلاف يتعين أن تدفع من قائليه، كما كان حال زملاء نهرو في لندن، صادقين أو جادين فيما يقولون، أو فلنقل إنهم لا يتوفرون على العمق والإخلاص الذي تمتلئ به أفئدة الكثيرين من الذين يعملون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، ولا يبتغون من وراء عملهم هذا شهرة ولا صيتًا، وحسبهم أن يروا عملهم الصامت، الدؤوب، يعطي أكله في الواقع، وهذا لا يتأتى فورًا وإنما بعد حين، حين يتراكم هذا العمل طبقة فوق طبقة، وتبدأ مفاعيله بالظهور.
ساعتها بوسع الناس أن تميز بين العابر والطارئ والاستعراضي، وبين الحقيقي والمخلص والدؤوب والصبور كفلاح ينثر البذور، صامتًا، فلا يراها الناس إلا بعد أن تزهر وتثمر.