مشهد التينة مسرحي

single

(يلتقيان صدفة. يسيران معا الى هدف ما، قد يكون مسقط الرأس)


- التعارف سنّة
- فلنتعارف اذن،
- عائد
- الطريق طويل
- فلنقصره قبل ان يصبح بطول جرحنا النازف
- لغز؟
- ابدا. فاذا توفر العزم وصدقت النية، قصر الطريق
- هات ما عندك!
- في وقت مضى كانت لي طفولة لم اعشها!
- لماذا؟
- لأنهم سرقوها!
- مَن؟
- الذين سرقوا الوطن!
- ألغاز؟ مرة اخرى!
- ابدا، مرة اخرى! فأنا من تلك القرية الوادعة، الغافية على اكتاف التلال (ينظران في الاتجاه ذاته)
كانت لنا بيوت ننام في داخلها شتاء، نتقي وخز البرد، وفوق سطوحها صيفا، ننعم بنسائم البحر الرهوة الندية. نسهر مع القمر، نتابع مسيرته الى ان يتوارى، او يغلبنا النعاس فننام..
- كأنك شاعر
- (متجاهلا الملاحظة، شاردا في اللاشيء)
كانت قريتنا أعلى من مدينة الجزار، بتواضع لا بتشاوف. السهول والمروج تنبسط عند اقدامها حتى تصل البحر، كالحُصر الدامونية، فيها الاخضر اليانع والاحمر القاني والاصفر الباهت والرمادي القاتم!
- وما الحُصر الدامونية؟
- تلك التي كان يصنعها اهل الدامون، ويبيعها لنا ابو جميل
- أية دامون؟
- قرية اخرى واجهت المصير ذاته
- أثرت فيّ الفضول. اكمل!
- كنا نكاد نرى اسماك البحر تحت الماء، في لعبة صراع للبقاء. هي مثلنا ليس لها غير البحر من وطن. كانت رائحة الملوحة تمتزج بعبق التاريخ وأريج البيارات، وتنعش حواسنا كلها. (يضحك). كنا نبيع ذلك السمك في بحر عكا.
- وانتم على هذه المسافة من البحر؟ أكنتم صيادين مهرة؟
- كنا نبيع السمك لبعضنا وهو في موطنه! ألم يفعل ذلك زعماؤنا حين باعوا وطننا؟ الفرق ان المشترين نجحوا في تقتيل بعضه وتهجير بعضه الآخر فاحتضن بعض من نجا من القتل والتهجير من طرد من حقله وبيدره وبيته وحاكورته وكرمه.
- أكانت عندكم بيادر وكروم؟
- وعامرة بالدوالي والتين والصبر.
في مواسم الحصاد كانت العصافير تتقافز على البيدر وتلتقط الحب بمناقيرها الصغيرة. وكانت ثمة منافسة بينها وبين النمل كل فريق يأخذ حاجته ويعود، النمل الى جحره، والطير الى عشه، أترى كيف ان لكل مخلوق وطنا، الا نحن؟
وكانت هذه البيادر ايضا ساحات للدبكة الشعراوية والشمالية. على انغام شبابة "عطا"، يضعها على سنّه الذهبي، وينفث فيها روحه الحانا شعبية، ويقف "ابو طه" على الرأس، والشباب والصبايا متكاتفون خلفه. ونحن – الاطفال – نحاول تقليد حركاتهم و"حركشاتهم"!!
- اعذرني اذا قلت اني لا افهمك!
- ستفهم في الوقت المناسب. دعني الآن اكمل!
- تفضل.
- وذات ليلة حزيرانية لا قمر فيها، وكنا على سطح البيت ننتظر سلطان الكرى، "لكشتني" اختي الصغيرة، عايدة. قالت لي: انظر الى السماء! ما هذا الطائر المضيء الذي يحوم في جو القرية، لا بل انه يصدر دويا قويا. كانت "فرِحة"، وأكاد ارى ابتسامتها في العتمة، لكنها لم تواصل كلامها. القى الطائر شيئا من جوفه على بيت جيراننا. صمتت اختي...
(يتوقف عن الكلام ويبدو شارد الذهن)
- خوفا؟ فرحا؟
- لا بل موتا!!!
وخوت المنازل تقبّل الارض، الواحد تلو الآخر.
يومها قالوا: سقطت القرية. لم افهم المعنى. لم يهب لنجدتها احد، اختفت عساكر العرب التي كانت ترابط على اطرافها، وحتى سخنين لم تتحرك! إما لأنها كانت على وشك السقوط هي الاخرى، وإما لأنها "تنتقم" من سد الهواء الغربي عنها بالحصر الدامونية!!
- ومن يومها لم تعد الى قريتك؟
- بل عدت. او قل تسللت الى اطلال بيتنا. كانت التينة بجانبه ما زالت خضراء يانعة. "استحليت" حبة "غزالية" من ثمرها، مددت يدي، حاولت قطفها، وإذا بصوت يفاجئني:
- هيه! مين انت؟/ انا عايد، قلت.
- "انت من خُون؟ وليش عم تُسغق"؟
- "صفنت"! ماذا اقول لهذا الوقح، القادم لا ادري من اية جهنم. قلت: "هاي تينتنا يا خواجة"، وهاي اطلال بيتنا يا خواجة!
- "هالمغّة سماخ، بس اوعك "تغجع"! بخبسك! ديغ بالك"!
- - ومن كان ذلك الرجل؟
- هو مستأجر اراضينا من الوكالة اليهودية، الذي كان والدي يقول عنه متهكما: "والله هالخواجة عامل معنا معروفية، يؤجرنا ارضنا التي يستأجرها هو من الوكالة، ويوصينا ان ننكر ذلك اذا ما "كبَسَنا" مفتشو الوكالة، لكي يظل العمل عبريا!!
- وبعدين؟
- بعد اسبوعين، ثلاثة وصلتنا رسالة بالبريد!
- تعلمكم ان بإمكانكم قطف التين والصبر والعنب!
- بل تقدمنا للمحاكمة بتهمة الاعتداء على املاك الغير!!
- وبعد؟
- حكمت المحكمة على والدي بغرامة مالية "فقط"! قال القاضي لوالدي وهو يغادر القاعة: :اشكغ دولة اسغائيل، انها ما خبستك"! هتف والدي للعدالة الاسرائيلية، لكنه ظل "يسق" و"ينق"، حتى مات "بغبّه".
- حتى الآن لم اعرف من اين انت!
- جاييك بالحكي
- تعال بسرعة
- مؤخرا، "في عيد استقلال بلادي"، يوم النكبة – ان غابت عنك – رجعت الى القرية. دمي يغلي وأعصابي متوترة. تعمدت ان يراني المالكون المارقون غير الشرعيين. مددت يدي الى التينة متمهلا، رآني الحارس. سألني: منين انت؟ قلت له: انا من هون!
سألني: يعني انت يعدي، من ياعد؟
بل انت المعدي ابن المعدي! انا من هون، انا من ميعار يا حمار. انا مش يعدي. انا ميعاري.
انا ميـ عا ري
انا ميـ عا ري
ويشاركه الجمهور بصوت واحد: ميـ عا ري!
ميـ عا ري...

قد يهمّكم أيضا..
featured

عندما تقرع الطبول

featured

باقون في الذاكرة

featured

من المريخ الى المريخ ومن الخرطوم الى الخرطوم!!!

featured

صان السّر والعهد

featured

في وداع الزعيم الفنزويلي البطل هوغو تشافيز

featured

ليبرمان ينضم لداعش!

featured

أيها المارقون على التاريخ خسئتم..