ومضات متقاطعة..!

single

  ان عيني تلك الطفلة تلاحقني.. تعذبني.. – يا سعيد – تطل علي لتطعنني بسهامها القاتلة، وتغيب عني، لتعود من جديد، حاملة معها نوعًا آخر من العذاب.
كنا فرقة من الجنود، كنت أنا قائدهم..اقتحمنا بيتهم ليلا.. وكعادتنا "كسرنا" الباب ولم نعطهم فرصة التهيؤ "لاستقبالنا"."ركزناهم" في زاوية من زوايا الغرفة، وبدأنا بتفتيشها، وعندما أزحت أحد أغطية نومهم، كانـت هناك.. كانت تحته.. كانـت مضطجعة على جنبها، طاوية فخذيها، حتى تكادا تلتصقان ببطنها، رجلاها مطويتان بشكل معاكس تلتصقان بفخذيها، يداها تحتضنان صدرها، عيناها تسبحان في سكون مخيف. أعدت الغطاء عليها،لأهرب من هجوم عينيها، الذي هاجمني بسهام قاتلة، لم أستطع الوقوف أمامها..!
وخرجت من البيت، وانا أنظر ورائي، يملأني الرعب والهلع،خائفا من أن تلاحقني وتوقع بي.. وصلت البيت في منتصف الليل بعد ان أنهيت ورديتي.. حاولت ان أغمض جفوني فلم أستطع.. شعرت أن سهام عينيها تهاجمها وتمنعانها من الانغلاق..!
*
التقيت به في المستشفى.. ملأ السرير الخالي في غرفتي،عرفت بعد ذلك انه ضابط في الجيش الأسرائيلي، بات ليلته الأولى يئن من الألم وغائب عن الوعي، وبعد جهود جبارة استطاع الأطباء إرجاعه الى وعيه.
لازمت سيدة سريره،عرفت بعد ذلك أنها زوجته، ولم تفارقه طوال الليل، ولما أفاق من غيبوبته في الصباح، سمعته يسألها:
-أين أنا..!؟ وماذا جرى لي..!؟ فأجابته بحنان:
- أنت – يا حبيبي – في المستشفى.. لا تخف انه أمر بسيط، ستخرج منه حالا..!
- ومن الذي يشغل السرير الآخر..؟
-أنه عربي..! أجابته وهي تخفص صوتها.
- لا.. لا.. لن أبقى هنا.. اذهبي اليهم حالا.. وقولي لهم أن ينقلوني من هنا..!! صرخ بها.
- لا.. لا تنفعل حبيبي هذا سيضر بصحتك.. سأفعل ذلك.. سأفعل كل ما تطلبه مني..! قالت متشفعة.
عند الظهيرة سمعت صراخا زلزل المكان، كان صوته.. صوت شريكي في الغرفة.. كان يصيح خلف الستارة التي تفصلني عنه:
- لا.. لا أريد أن أراهم.. لن أستقبلهم هنا.!
- هم يريدون الحضور، للاعتذار لك عما بدر منهم!.. سمعت صوتا آخر، عرفت بعد ذلك انه ابنه الجندي.
- لا.. لن أستقبلهم.. هذا لن يحدث.. هذا مستحيل..!
- ولكنهم..!!
- لا تحاول – يا آفي – ان تدافع عنهم.. انهم لا يحفظون المعروف، ولا يقدرون الجهود التي نبذلها للدفاع عنهم وحمايتهم من العرب، اننا نترك عائلاتنا وأعمالنا، ونرابط حول مستوطناتهم في برد الشتاء وحر الصيف، ونتحمل أخطار مهاجمة العرب لنا، كي يعيشوا في أمان وبحبوحة في أحضان عائلاتهم..!
- ولكن..!
- ولا تنس - يا ابني – تسترنا على أعمالهم الشيطانية، التي صنعوها لجيرانهم العرب، من تخريب المزروعات والسيارات ودور العبادة.. و..
- كفى.. كفى - يا أبي – أنسيت من يجاورك في الغرفة..!؟
همس الشاب بصوت مخنوق.
- لم يعد يهمني بعد ما فعلوه بي.. من ضرب واهانات.. حتى أوصلوني الى حالة كنت فيها، لا تفصلني عن الموت الا شعرة..! فخرج ابنه من الغرفة وهو يقول:" لأخرج.. لأتلاف المزيد من هذه الأقوال المخجلة!!".
أنسحب النهار، تاركا للمصابيح الكهربائية مهمة تخفيف غطاءات الليل،التي بدأت تصبغ غرف وأروقة المشفى بالسواد.. وبدات لطمات الجلبة والضجيج، تخف شيئا فشيئا مع مغادرة أفواج الزائرين والممرضات والأطباء، وسائر العاملين في القسم، فاستولى على المكان سكون رهيب، تقطعه أنات المرضى وخطوات ما تبقى من ممرضات الوردية الليلية.
واذا بصوت خبطة قوية، وتلتها زعقة محمومة تكسر زجاج السكون الرقيق، وبعدها عاد السكوت ليقبض على خناق المكان.
تأكدت أن الخبطة حدثت بالقرب مني.. وفي غرفتي، وأن شريكي فيها وقع عن سريره، أصخت أسماعي، لتطرقها وقع خطوات تأتي باتجاه الغرفة لانقاذه، فلم أسمع شيئا، مددت يدي الى زر الجرس الذي يربطني بالممرضات، ضغطت عليه بكل بقايا قوتي، فسمعته من غرفتي يمزق السكون في مكتبهن، بل في القسم كله. ولكن ما من مجيب، كان كأنه يحرث في مياه راكدة، او ريح هوجاء تلطم صخرا كالجبل.
 فقررت ان أعمل شيئا.. حتى ولو كان في ذلك مخاطرة مني على حياتي.. كانت الأنابيب الطبية تربطني بأجهزة تعمل على تقديم المواد، التي يحتاجها جسمي من مواد للعلاج.. فككتها بسرعة، "وسحلت" عن السرير، ثبت رجلي ويدي على أرض الغرفة.
وبدأت أحبو، مررت به.. فوجدته ملقى على الأرض بلا حراك، ولم يكن معي وقت لأتأكد أنه حي أم ميت، حبوت خارج الغرفة مقاوما آلامي، وضاغطا على يدي ورجلي، كي تستجيب لي، غير آبه بصرخاتها واستغاثاتها.!
مكتب القسم لا يبعد أكثرمن ثلاثين مترا.. حبوت وحبوت زمنا خلته الدهر.. فاصطدمت عيناي بالممرضتين تجلسان على كرسيهما وتغطان في سبات عميق.."انه يموت..! انه يموت..! في الغرفة التاسعة..!" صرخت بهما بكل ما تبقى من صوت.
 فقامتا من مكانيهما كالملدوغتين، وأسرعتا باتجاه الغرفة.
اما أنا فقد جررت جسمي حبوًا الى غرفتي، وأنا لست على يقين أني سأصلها حيا.!
ولا أدري أن كنت وصلتها بقوايَ، ولكني وجدت نفسي في الصباح في سريري، وجميع الأجهزة الطبية في مكانها من جسمي، مما جعلني أشك أنني قد قضيت ليلتي في حلم مخيف..!!
ولكن كان هناك تغيير واحد.. لقد أزيح الستار الذي كان يفصلني عن جاري.. نظرت اليه فوجدته يغط في نوم عميق.
- "كدت تكون في عداد الأموات..! ولكنا أنقذنا حياتك في آخر لحظة.. لكن المؤكد هو أنك أنقذت حياة جارك..!" قالت الممرضة، وهي منشغلة بعنايتها الصباحية بي "لي رجاء ان يبقى ما حدث سرا بيننا..!!" - أكملت برجاء مستغيث.
 عند الظهيرة، أفاق جاري من نومه، فتوجه الي بعينين ملؤهما الامتنان والخجل المخطوف، وقال بصوت مهزوم:
- أنا مدين لك بحياتي..! لاأجد ما يعبر لك عن شكري وامتناني !!.
- أني قد فعلت ما توجبه علي انسانيتي..!! رددت عليه، وأنا أفتعل أن الأمر عادي.
 دخلت زوجته الغرفة قاطعة محدثتنا، وعندما جلست بجانبه، وقبل ان تسأله عن حالته الصحية، سحبت الستارة التي تفصل بيننا، وقالت بزهو من يبشر بهدية ثمينة:
- لقد استجابوا لنا.. سينقلونك الى غرفة أخرى جديدة.
- لا.. لا أريد أن أنتقل من هنا..!! اذهبي واخبريهم اني سأبقى هنا..!!
- ماذا حدث لك..!؟ ما الذي تغير..!؟ سألته باستغراب شديد.
قص عليها ما حدث معه ليلة أمس.
فقامت من مكانها وأزاحت الستارة، "وانهالت" علي بوابل من كلمات الشكر والامتنان.. وانها تحب العرب، وكان لها قبل زواجها جيران منهم في يافا، وكان لعائلة أبيها علاقات أخوية معهم.
توثقت العلاقة بيني وبين شمعون وعائلته، وأصبحنا نقضي ليالينا في الحديث عن ماضينا وحاضرنا، حدثني عن قدومه طفلا مع عائلته الى البلاد، وعن حياة الفقر والتمييز والعنصرية التي لاقوها فقط لأنهم شرقيون.. حدثني عن معاناته في الخدمة في جيش الاحتلال، وأنا حدثته عن أرضنا،معاناتنا تحت التمييز والعنصرية، تحدثنا عن أحفادنا..
بعد أيام حانت لحظة الفراق.. قررالأطباء أنني في حالة صحية تمكنني من مغادرة المستشفى. بعد أن تعانقنا وحمل ابني حقيبتي وابتعدنا بضع خطوات عن باب الغرفة.. اذ بصوت يناديني من داخلها.
كان هو.. صوت شمعون..! رجعت الى الغرفة، وقبل أن أصل الى سريره، أخرج من تحت فرشته قلادة ذهبية،وقال بصوت مرتجف:
- اما زلت تذكر تلك الطفلة، التي حدثتك عنها أنها تلاحقني..!؟
- لن أنساها ما حييت، انها أصبحت تلاحقني أنا أيضا..! أجبته باستغراب.
- هذه القلادة لها..! "أخذتها" من خزانتهم عندما فتشنا بيتهم..!!
- ....!! تجمدت في مكاني مشدوها.
- اسمها ريم حسن القنيري.. تسكن في وسط المخيم، بجانب المسجد.!
- ... !!
- أرجوك..! أرجوك..! أن ترجعها أليها، وتطلب منها أن ترحمني من ملاحقتها لي.. أرجوك.. !!
خرجت من المستشفى.. وطرت الى مخيم "نور شمس"، وقلدت ريم قلادتها.. وهربت من شعاع عينيها..!!
  انه يلاحقني..!!



(عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نتنياهو وأردوغان، حملتان مكارثيتان

featured

الآباء "الروحيون" للتكفيريين

featured

ألمحرقة الصهيونية طالت مقر الإغاثة الزراعية

featured

شركاء في الجريمة ضد الانسانية

featured

الانحطاط الدموي

featured

فلسطين ضحية الجغرافيا العربية

featured

ضرورة فلسطينية ملحّة