*هذا قانون يعمّق التمييز القومي والطبقي ضد العرب والطبقات المستضعفة عن طريق اعطاء المنح للاغنياء وللسلطات المحلية اليهودية فقط*
ان كل النقاشات الجارية في الاسابيع الاخيرة في لجان الكنيست المختلفة حول قانوني التسويات والميزانية لا تؤثر على ميزانية الدولة بشكل جدي، لان الميزانيات الكبيرة يتم اقرارها في اماكن اخرى وليس في الكنيست، فعلى سبيل المثال ميزانية وزارة الامن والتسلح لا تناقش في الكنيست، وفي المدة الاخيرة تم الحديث عن شراء طائرات بثمن 200 مليون دولار للطائرة، اما النقاشات العديدة التي جرت في اروقة الكنيست فهي على توزيع مبالغ صغيرة نسبة الى هذه المبالغ الكبيرة التي يتم اقرارها في غرف مظلمة في وزارة الامن.
ان هذه الطريقة "الديمقراطية" لاقرار الميزانية توجب طرح العديد من الاسئلة حول وظيفة الكنيست، فعلى الكنيست ان تكون السلطة المراقبة في هذه البلاد وان تضع الخطوط العريضة لسياسة الحكومة في شتى المجالات، ولكن هذه الحكومة التي تملك "رجالا آليين" داخل الكنيست يقومون بالتصويت بدون قراءة ومعرفة تفاصيل القوانين التي يصوتون عليها تدوس كل قييم العمل البرلماني وتضع الكنيست في مكانة منخفضة جدا بعيدة عن مواقع ومراكز التاثير.
ان هذا التوجه يبرز بشكل واضح في قانون التسويات، وهذا هو نفس التوجه الذي قادته كديما في الكنيست السابقة، وهو يتيح للائتلاف الحاكم اقرار قوانين بدون البت فيها بتاتا، بواسطة ادخالها ضمن قانون التسويات، بالرغم من انها تحمل في طياتها العديد من القضايا المصيرية بالنسبة للتوجه الاقتصادي والاجتماعي للبلاد في السنوات القادمة، واذا كان قد بقي في الاحزاب المسيطرة على الساحة السياسية الاسرائيلية من هو حريص على القيم الديمقراطية، فعليهم العمل على وقف العمل بهذا القانون الدكتاتوري فورًا لانه مناف لكل القيم الديمقراطية والشفافية والعمل البرلماني.
ان الجو العام الذي ساد في النقاش على اقتراحي الميزانية والتسويات كان جو نقاش بين طرفين متضادين، فالحكومة من جهة تريد ان تتخذ قرارات بسرعة وبقوة دون اي نقاش على ماهية هذه الاقتراحات وابعادها، وهذا يتناقض مع مباديء الديمقراطية، وبرز ايضا نقاش الاطراف بين الرغبة في النهوض الاقتصادي من جهة وبين تقليص الفوارق الاجتماعية من الجهة الاخرى. فمثلا اذا اخذنا قضية تخفيض الضرائب حيث صرحت الحكومة ان تقليص وخصخصة الضرائب هما وسيلة لزيادة النهوض الاقتصادي مع العلم ان الحكومة تعلم وترى وتلمس ان هذه الخطوة تزيد من الفوارق الاجتماعية ولكنها رفضت النقاش في هذا الموضوع بتاتا معتبرة ان تحقيق زيادة نسبة النهوض الاقتصادي هو اهم خطوة لانعاش الاقتصاد، ولكن تناسي زيادة الفوارق الاجتماعية برز جدا ضمن هذه السياسة.
ان اخطر ما جاء في هذه الميزانية هو تبني سياسة الخصخصة في كل مجالات الحياة، حيث ان الحكومة تخصخص ايضا من صلاحياتها ومن الخدمات التي عليها ان تقدمها، فمثلا ضمن التوجه الجديد لبناء مبان ومرافق عامة سوف يحول من صلاحية وميزانية الحكم المركزي الى واجب الحكم المحلي عن طريق زيادة ضرائب تطوير على السلطات المحلية ليتم تمويل بناء مرافق كهذه.
ان هذا المثال يبرهن ان الحكومة تقوم بخصخصة واجباتها وتحميل اعباء هذه الواجبات على المجالس المحلية او على المواطنين انفسهم مما يزيد من صعوبة لقمة العيش بشرف في هذه البلاد. وسأركز على امثلة تبيّن التوجه الفلسفي والسياسي المتناقض من وراء هذا القانون، هذه التناقضات التي تعزز التمييز القومي والطبقي ضد العرب والطبقات المستضعفة عن طريق اعطاء المنح للاغنياء وللسلطات المحلية اليهودية فقط.
//الضرائب الحكومية التي تدفعها الحكومة للسلطات المحلية
احد ابرز الامثلة في هذه الميزانية هو الارنونا الحكومية، فكما هو معلوم هناك العديد من المباني الحكومية الموزعة في كافة انحاء البلاد، و بشكل خاص في المدن الكبيرة، في المركز وفي المدن المركزية في الشمال والجنوب، مثل بئر السبع والعفولة وصفد ونتسرات عيليت، والحكومة طبعا تدفع الضرائب عن هذه المؤسسات للسلطات المحلية الموجودة ضمن نطاق نفوذها، ولكن السلطات المحلية التي لا تتمتع باي مؤسسة حكومية كغالبية السلطات المحلية العربية لا تنال من هذه الضرائب أي شيء يذكر، بالرغم من ان مواطني هذه البلدات يستخدمون تلك المؤسسات مثلهم مثل مواطني بقية البلدات، وتدل معطيات مركز الابحاث التابع للكنيست الذي قام باجراء بحث حول هذه القضية ان مبالغ هذه الضرائب كبيرة جدا تقارب 1,2 مليار شاقل واذا اضفنا المؤسسات التي لم يتم احصاؤها في هذا البحث فسنصل الى 1,5 مليار شاقل، الحكومة تدفع عن هذه المؤسسات وهي التي اختارت اين تقيمها، والمدهش ان حصة السلطات العربية من هذا المبلغ الكبير هي مليونا شاقل أي 0.1% من المبلغ العام.
أقدّر مبادرة الوزير السابق شطريت خلال الدورة السابقة، والذي رأى الوضع الصعب، ورأى ان توزيع الموارد الحكومية للسلطات الحكومية لا يتم بشكل عادل، وأعد مشروع قانون بهذا الشأن، وقد أرفقته الحكومة الحالية بقانون التسويات الحالي، لكن في نهاية المطاف، ضغط رؤساء المدن الكبرى القوية، وهددوا الحكومة – هذا ماسمعته من أحد اعضاء الكنيست الذين يعرفون حقيقة الأمور- أن هذا الأمر لن يتم ولا يمكن أن يكون. وماذا فعلت الحكومة؟ قامت بسحب هذا الفصل من قانون التسويات. هذا يعني أنه لا يمكن التصويت على أي بند في هذه الميزانية يقلل من الفوارق الشاسعة، يساعد الطبقات المستضعفة، والسلطات المحلية الضعيفة، وخصوصًا السلطات المحلية العربية وبضمنها السلطات المحلية الدرزية.
قد تدعي الحكومة بأنها زادت هبات الموازنة للسلطات المحلية، لكن هذه الهبات توزع على كل السلطات المحلية، وهذا لايعوض السلطات الضعيفة، ول يمت بصلة لل 1,5 مليارد شيكل التي توزعها الحكومة للسلطاتت المحلية القوية، اللذين ليسوا بحاجة لدعم الحكومة بتاتًا. يوجد لديهم مناطق صناعية وموارد مالية تمول دولة وليس فقط مدينة.
لقد كان هذا الفصل أحد شظايا الأمل بأن تقوم الحكومة بسد الفوارق، لكنها انسحبت بدون أي وجه حق وبدن أي خجل، وقررت سحب هذا المشروع من قانون التسويات. كذلك الأمر بالنسبة لصندوق ضرائب التحسين على الأراضي، نفس السيناريو مع المدن الكبيرة، حيث توجد مبالغ كبيرة تدفعها دائرة أراضي اسرائيل على هذه الضريبة لصالح المدن الكبرى، حيث نص الاقتراح على توزيع هذه المبالغ حيث توجد حاجة حقيقية، ومرة أخرى من خلال مشاركتي في جلسات لجنة الداخلية، شاهدت رؤساء فوروم الـ 15 (المدن الكبرى)، كيف هاجموا أعضاء اللجنة وهددوا بأن تمرير هذا الاقتراح سيخلق مشاكل كبيرة، ومرة أخرى تم سحب الموضوع.
