استوقفني ما قرأته عن حدثين هامين، جاءا على التتابع، يومي الاثنين والثلاثاء من الأسبوع الذي أكتب دائماً في نهايته.
يوم الاثنين 18.10.2010 في وسط تل أبيب، قلب إسرائيل الدافق، تسير حشود من اليهود والعرب وتهتف ضد العنصرية وسياسة القمع والقهر بحالتَيها، ما يمارس منها وما يخطط لممارسته في المستقبل. آلاف يقض مضاجعها ما أرخاه ليل الظالمين من عتمة، فاندفعت مصرَّة على إضاءة شمعة الأمل، لأنها حشود عافت لعنةَ الظلام.
يوم الثلاثاء 19.10.2010، في قلب مفاعل الشر، حيث تُخصَّب قوالب العنصرية، هناك في كنيست إسرائيل، يعلن ثلاثون عضو كنيست عن إقامة "اللوبي لمناهضة العنصرية". ثلاثون ضمُّوا الأعضاء العرب، ومعهم حفنة من أعضاء في أحزاب يهودية وصهيونية، كلهم استشعروا فداحة الخطر الداهم واستوعبوا أنهم على نفس المركبة المتدهورة على ذلك المنزلق الخطير.
في المقابل، وبتزامن يعكس حقيقة التباين بين الأحزاب السياسية العربية المحلية، قرأت بيانًا صادرًا عن "التجمع الطلابي الديمقراطي" الناشط في الجامعات الإسرائيلية، تُدعى فيه الجبهة الطلابية إلى تحالف عربي-عربي يستبدل تحالفات كتلة الجبهة الطلابية مع أجسام يهودية وصهيونية، والتي اجتمعت مع الجبهة تحت شعار يفيد "الجامعة لنا جميعاً".
التجمع الطلابي لا يرى بنفسه حليفاً، حتى ولا في موقع مثل الجامعات، لأي قوة يهودية صهيونية من الممكن الاتفاق معها على برامج عمل موقعيه تخدم مصالح الطلاب العرب والطلاب اليهود ويجمعهم شعار مثل "الجامعات لنا جميعاً". وكما جاء في البيان المذكور هم يعللون ذلك بأسباب مبدئية، هم في غنى عن شرحها، كما أفادوا.
بيان التجمع الطلابي واضح ويعكس خلافاً مبدئياً بين ما يؤمن به ويميزه عن رؤى تؤمن بها أحزاب وحركات أخرى تعمل بين الجماهير العربية، بيد أني كنت أتمنى لو خلا من مزايدات وديماغوغية لا يسوغهما حتى استعار همم الشباب وما تتسم به الحركات الطلابية الجامعية، على مدى تاريخها، من فيض مشاعر وحماس.
القضية ليست إن كانت الجبهة الديمقراطية "أقرب إلى اليسار الصهيوني وجنوده المسرحين"، كما جاء في البيان، من قربها على التجمع أو كتلة اقرأ. فلا شأن للقربى ولا للنسب. القضية هي خلاف حول أساليب النضال التي يؤمن بها كل حزب وحركة ومدى نجاعتها في خدمة مصالح جماهيرنا العربية، بشكل عام، وجماهير الطلاب الجامعيين في الحالة العينية هنا.
وكي لا يتحول النقاش إلى سرمدي أسأل: أين الخلل في شعار "الجامعات لنا جميعاً"؟ ومن شأن "لنا" في هذا الشعار أن تضيف مكاييل لصالح الطلاب العرب ولصالح قضاياهم. أوتريدون استبدال هذا الشعار، من خلال جبهة عربية- عربية، كما تقترحون، ليكون "الجامعات ليست لكم"! أو تقترحون إبقاءه وعندها "لنا" لن تحمل ذات المعنى ولن تفيَ بشروطها حين يستثنى منها جمهور من الطلبة اليهود الحلفاء، وهم جزء من أكثرية يهودية أنتم تُساوون بينها، لأن جميعهم في الصهيونية شقاء وبلاء!
الأقرب في هذه الحالة، وفي كل نضال سياسي، هو من يخدم، برأي رافع الشعار والمناضل من أجله، مصالح من باسمهم ولأجلهم رفع الشعار.
والشعار يتوج ويختزل موقفاً وفكراً سياسيين في زمان ومكان محددين. وهنا، كما في الحالة العامة، هناك تباين بين ما يؤمن به حزب التجمع وما تؤمن به الجبهة الديمقراطية. خلاف الرأي هذا مشروع وطبيعي، على أن لا ترافقه نزعات الاستعلاء القومي ولا ترهات التخوين المزركشة بصياغات فضفاضة غير واقعية.
ما أسهل الاسترسال في تعميمات ديماغوغية، من شأنها، ظاهرياً، أن تحرج الغير، لكنها عملياً تفتقر إلى براهين صحتها، خاصةً كلما عصف الواقع واقترب الخطر زحفاً بلا تؤدة ولا خجل. فواقعنا، والكل يجمع على ذلك، صعب. ومجتمعنا يرزح وينوء بأحمال تكاد تشله وترديه صريعاً، ولا أحد يستطيع الادعاء أنه كفيل لوحده بتخفيف هذه الأعباء وما ستؤدي إليه من نوائب.
من الممكن أن يستخف مناضل بمظاهرة تل أبيب الأخيرة، ومن الجائز أن يستهتر مناضل آخر بأهمية إقامة اللوبي لمناهضة العنصرية، لكن هذا وذاك سيبقيان أسيرَي ادعاءات التفوق النضالي الموهوم، فمرارة واقعنا المتزايدة تخيّب من ظن أنه صاحب الموقف والرأي السليمين ومالك الحل الواحد والوحيد!
لا أقول أنه علينا إغفال جبهات النضال الأخرى. فعلينا أيضاً أن نحافظ على إمكانيات تفعيلها والتأثير عليها وفيها. العمق الدولي هام وضروري، أوروبياً وأمريكياً وما إلى ذلك، والعمق العربي هام وضروري وكل عمق آخر هام وضروري. لكنني أعتقد أنه وبالرغم من أهمية جميعهم، عمقهم يبقى أبعد وأقصى من عمق هذا البحر الذي نسبح فيه وعلى شواطئه، فأمواجه هي التي تلطمنا يومياً وتحاول إغراق مراكبنا.
أنا من أولئك الذين يؤمنون بأن التصدي لأمواج "بحري" ممكن وواجب، ومن أجل هذا لن أترك حيلة ولا وسيلة. فكل من ساروا في مظاهرة تل أبيب هم أيضا حيلتي ووسيلتي، وكل من وقع على بيان اللوبي لمناهضة العنصرية هم حيلتي ووسيلتي، وقائمة الأساتذة التي استهدفتهم حملة "إم ترتسو" هم حيلتي ووسيلتي، وكل من يخشى هذا البحر الهائج لإنه سيطيح أيضاً بمراكبهم هم حيلتي ووسيلتي. كل هؤلاء هم حلفائي في هذه المرحلة. بالطبع سأرحب وأغبط أيضا بكل ذي همة وشهامة، خاصة إن كانت تفوق همة عنترة وتزاحم صمصامة الفارس عمرو بن معدي كرب، وكذلك بكل منقذ يثب لانتشالي قبل الغرق، سواء من بحر قزوين جاء أو من شط العرب. من الهادي والأطلسي أو من بحور العجب.
وأنهي بما قلته مراراً: ما العمل؟ يبقى السؤال، وكيف العمل؟ تبقى القضية. ماذا نقول؟ يبقى التحدي، ولمن نقول؟ تبقى القضية. تتعدد الأجوبة والاجتهادات لكن أقلها حظوظًا ونجاعة برأيي ذلك الاجتهاد الذي يحصر عناوين النضال بجبهات عربية-عربية فقط.
