من الطبيعيّ ومن البديهيّ أن نتحدث وقد دخلنا العِقد الثاني من الألفية الثالثة عن مصطلح البلد (سالكِة) ومُنتظمَة، وعن تطوّر المدينة والسّعي لبرمجة وتخطيط حياة الإنسان، حاجياته، طموحاته وتطلعاته المستقبلية. ومن هذا الباب على الإنسان أن يقف طويلا مع ذاته للتفكّر لما يحدث في بلداتنا ومجتمعنا المتآكل يومًا بعد يوم من الدّاخل، حالات العُنف بكلّ أنواعها، غياب الرّقيب الاجتماعي والضمير الحيّ الصّاحي لمحاسبة الأخطاء. لا يمكن في هذه العُجالة وضع دراسة منهجية عن الحالات المرضيّة التي نخرَتْ في سوس الأعمدة الأولى، ولكن سأذكر هنا بعض العِلل التي بالإمكان أن نُقوّمها بأنفسنا، بعاملنا الذاتيّ المغيّب والواقع في سباتٍ عميق.
أولا: التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الأجيال الشابة، إنّ أشبال شعبنا يعيشون في ظروف تختلف عن ظروف الجيل الأول والجيل الثاني، فتلك الأجيال واجهت خطر التّرحيل والتّشرّد من الوطن، وعانت كثيرًا ودفعت ثمنًا باهظا من أجل البقاء في الوطن وترسيخ قيمة البقاء. أمّا الأجيال الشابة فهي تمرّ تحت وطأة مشروع لا يقلّ خطورة، من سياسات التّجهيل، وأكبر عملية تزوير للتاريخ والحقائق والبديهيات الأولى التي على الشاب العربي الفلسطيني في هذه البلاد أن لا تغفل عنه، كما لا يمكن اليوم في ظلّ سَطو الإعلام الموجّه أن نُبقي أبناءنا دون توجيه ورعاية وطنية وسياسية كي لا يقعوا في فخّ السلطة وما لفّ حولها من مروّجي مشاريع "الخدمة المدنية" والتّي تلعب في ملعب طمس هوية الجلاد الحقيقية وتضليل الضحية إن جاز التشبيه.
لا نريد لأجيالنا أن تقع في فخ الترانسفير الإرادي، فتزداد نسبة الهجرة من الوطن نتيجة لحالة الإحباط الاقتصادي وتزايد نسبة البطالة وعدم توفر فرص العمل لخرّيجي الجامعات والمؤسسات الأكاديمية. ومن هذا المنطلق علينا كمجتمع وكأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني بالحراك الفوري لبحث التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الأجيال الشابة.
ثانيًا: الملك الخاص جزء من الملك العام. ترافق ذهنيتنا الضّعيفة أحيانا بعض التّرهات التي تصبّ في خانة التخلف وحبّ التملّك الجاهل الذي يودي بنا حتما في مستنقع الشعوب المتخلفة. متى سنفهم كشعب وكبشر بأنّ المُلك العام هو مُلكي الخاص إذا كان يخدم أبنائي وأهل حارتي وأهل بلدي، وهذه ظاهرة نجدها في واقع قرانا العربية، وكأنّ المُلك العام محصور لبضعة أشخاص دون سواهم. آن الوقت لاحترام المُلك العام والتعامل معه كجزء من المُلك الخاص، والتعبير عن هذا الشعار بالسلوك والعمل.
ثالثا: كلكم راع ٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته. إنّ الانتماء في حلقاته الصغرى من البيت إلى الحارة إلى البلدة، إلى شعبٍ إلى الأمة حتّى حلقاته الكبرى، والانتماء إلى البشريّة، يحتّم علينا أن نصحو وأن نَخرُج من حالة التساهل عن الخطأ والجريمة والتساقط الأخلاقي، وعن انتشار السلاح والمخدرات وكلّ ما تكيدُه لنا السلطة وأذرعها من أجل الزجّ بنا في خانة القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في كلّ وقت. "لا يغيّر الله ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم. فليقوّم كلّ منا الاعوجاج الذي أمامه والذي حوله والذي خلفَه كي نضمن حياة أفضل لأبنائنا وبناتنا وأطفالنا ونسائنا ورجالنا.
ولأنّنا نبحث عن الحياة على هذه الأرض، نريدها حياة ملتصقة بأعمدة الكرامة والمروءة والشرف.
(مجد الكروم)
